تعتبر قضية النحل أو “الانتحال والوضع” من أولى قضايا النقد الأدبي، التي تعد محرّكاً رئيساً لتتبع سير الشعراء القدامى وكتاباتهم والمقارنة والتمحيص في فحواها، وهي في الأدب مصطلح يشير إلى نسبة أشعار أو أبيات قيلت في عصور لاحقة إلى شعراء جاهليين لم ينظموها، والنحل هو نسب أبيات قيلت لاحقاً لشاعر قديم وفق عدة مقاييس يتخذها الراوية في عملية النسيب.
وأما الانتحال فهو نسب شاعر لأبيات من نظم غيره على أنها له، وتُعد هذه القضية من أهم المعارك النقدية التي بدأت في التراث العربي القديم وتجدّدت بقوة في العصر الحديث، ومن أوائل من أثار هذه القضية بالتفصيل ابن سلام الجمحي في كتابه “طبقات فحول الشعراء”
ابن سلام الجمحي
ابن سلام الجمحي هو أبو عبد الله، محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم الجمحي عالم بالأدب والأخبار، وراوٍ معروف، وكنّي بالجمحي نسبة لبني جمح في قريش وذلك لولائه لهم وليس لأنه منهم، فقد ولد في البصرة سنة 150 هـ، وكان ولاؤه لقدامة بن مَظْعون الجمحي، وفي إطار العلوم والآداب فقد كان راوية، وعالماً بالشعر عند القدماء، وأديباً، ومحدثاً روى عن حمَّاد بن سَلَمة، ومبارك بن فضالة، وزائدة بن أبي الرقّاد، وأبي عَوانة، وحدَّث عنه أحمد بن زهير، وثعلب، وأحمد بن علي الأبَّار، وعبد الله بن أحمد، أبو خليفة الفضل بن الحباب بن محمد بن شعيب الجمحي، ومما رواه أن لحية ابن سلام ابيضّت، وكذلك رأسه، وله سبع وعشرون سنة، وكان ابن سلام صدوقاً على ما حكاه الذهبي في “سير أعلام النبلاء”، وروى محمد بن أبي خيثمة عن أبيه أنه قال: “لا يكتب عن محمد بن سلام الحديث رجل يُرْمَى بالقدر، إنما يكتب عنه الشعر فأما الحديث فلا” فالخلاف في توثيقه كالخلاف في غيره، تُحْمَل روايته للحديث على الحذر، وقد اعتّل ابن سلام في بغداد علة شديدة، فأهدى إليه الأمراء أطباءهم، وكان منهم ابن ماسويه الطبيب، فلما رآه قال: ما أرى من العلة ما أراه من الجزع!! فقال ابن سلام: “والله ما ذاك لحرص على الدنيا مع اثنتين وثمانين سنة (ولعلها: وسبعين، فوهِم الراوي، وهو أنسب) ولكن الإنسان في غفلة حين يوقظ بعلمه”، فقال له الطبيب: لا تجزع، وبشّره بعشر سنين، أخَر، فوافق كلامُه قدراً، فمات في بغداد، وقيل في البصرة، ولابن سلام مؤلفات ذكر منها العلماء: “طبقات الشعراء الجاهليين”، و”طبقات الشعراء الإسلاميين”، وكتاب “غريب القرآن”، وكتاب “الحلاب”، وكتاب “أجر الخيل”.
كتاب “طبقات فحول الشعراء”
أما كتابه “طبقات فحول الشعراء” فهو مبني على مقدمة نقدية تتحدث عن نظرية الاختيار، ومذاهب الشعراء في الطبع والصنعة، ومسألة الانتحال أو ما يسمّى النقد التوثيقي وما يلحق به من دراسة أسباب الانتحال قبل مرغليوث وطه حسين بقرون، ومن غير تعميم يفقد الحقيقة العلمية معناها، وتحدّث عن منهجه في اختيار الشعراء وطريقته العامة في بناء الطبقات، منهجه الخاص ببناء الطبقة الأولى، وما يتبع طبقات شعراء البادية العشر، من طبقات تخضع لمؤثرات أخر كالمكان مثل شعراء القرى (المدينة، ومكة، والطائف، والبحرين) أو تخضع لغلبة الموضوع وضرب له مثلاً شعر المراثي، وثمة طبقة شعراء يهود لم يوجد في أشعارهم التي وصلت ما يؤيد قوله، وجعل للرجاز طبقة”
وجعل شعراء الإسلام في عشر طبقات، وقد وضع في كل طبقة من طبقات الجاهليين والإسلاميين أربعة شعراء فقط، وقام العلامة “محمود شاكر” بتحقيق الكتاب حيث جمع فيه الشعراء الجاهليين والإسلاميين.
وكتابه أقدم كتاب وصل إلينا متخصص في النقد الأدبي يهدف الكتاب إلى دراسة الشعر الجاهلي والإسلامي، وتقييم الشعراء، ووضعهم في مراتب بناءً على الجودة والغزارة، ولدى الوقوف عند أبرز ما جاء فيه يجدر بنا الإشارة إلى مقدمة الكتاب حيث يُعد ابن سلام أول ناقد يخصص دراسة مستقلة للشعر بدلاً من الملاحظات المتناثرة، كما اعتمد على مقاييس نقدية دقيقة مثل: طول الباع (كثرة الشعر)، جودة الصنعة، تنوع الأغراض الشعرية، وتأثير الشاعر في بيئته، ولأن النقد الأدبي يقوم على الحجة والبراهين والبحث والتمحيص فقد رفض ابن سلام قبول كل ما يُروى من الشعر، وانتقد “الصحفيين” الذين يأخذون الشعر من الكتب دون السماع من الرواة الثقات.
تقسيمات الكتاب
قسّم ابن سلام الشعراء قسمين رئيسيين “جاهلي وإسلامي”، وجعل كل قسم في عشر طبقات، لتشمل 20 طبقة، بالإضافة إلى فصول فرعية، وهي كالتالي:
أولاً: شعراء الجاهلية “عشر طبقات:
الطبقة الأولى: امرؤ القيس، النابغة الذبياني، زهير بن أبي سلمى، والأعشى.
الطبقة الثانية: أوس بن حجر، بشر بن حازم، كعب بن زهير، الحطيئة.
وتتدرج الطبقات لتضم شعراء مشهورين مثل: لبيد، طرفة، عنترة، عمرو بن كلثوم، حسان بن ثابت، وغيرهم.
ثانياً: شعراء الإسلام “عشر طبقات”:
طبقات الفحول: تضم أبرز شعراء العصر الإسلامي مثل: “جرير، الفرزدق، الأخطل، ذو الرمة، الراعي النميري، الكميت، وغيرهم”.
ثالثاً: فئات أخرى حيث فرّد ابن سلام فصولاً مستقلة لأنواع محددة من الشعراء، مثل: شعراء القرى (مكة، الطائف، المدينة) وشعراء المراثي (مثل متمم بن نويرة والخنساء) وشعراء اليهود وشعراء البحرين.
أهمية الكتاب التاريخية
توثيق التراث: يعد مرجعاً أساسياً في دراسة الشعر العربي، والبيئة القبلية، واللغة.
الموازنة: أسس لمنهج الموازنة بين الشعراء، وهو ما تطور لاحقاً في كتب مثل “الموازنة” للآمدي، وقد أرجعها إلى أسباب قبلية حيث كانت القبائل تنحل الشعر لتزيد من مفاخرها، وإلى الرواة الذين كانوا يتزيدون في الشعر.
ظاهرة الوضاعين
ظهر في العصر الأموي والعباسي رواة اشتهروا بنحل الشعر ووضعه، مثل حماد الراوية وخلف الأحمر، الذين برعوا في محاكاة أسلوب الجاهليين لدرجة يصعب معها التفريق بين الأصيل والمنحول، وعليه تعتبر دراسات ابن سلام الجمحي مرجعاً نقدياً دقيقاً وشافياً للتمييز بين المنحول والأصيل، وقد فتح الباب للنقاد من بعد، ليتابعوا البحث وفق المعايير التي حددها ابن سلام في تمييز الشعر وأخذه من مصادره في زمن كان يغيب فيه التوثيق الذي لا لبس فيه كما هي الحال اليوم بوسائل التوثيق الحديثة التي تكاد لا تخلو أيضاً رغم تطورها من ظاهرة الوضع والانتحال التي تندرج ضمن السرقات الأدبية الحديثة.
الاستشراق والنقد المعاصر “المستشرقون”
أثار المستشرق صموئيل مرغليوث وتيودور نولدكه هذه القضية للطعن في صحة الشعر الجاهلي، وزعموا أنه صُنع في العصر الإسلامي المتأخر لأغراض سياسية ودينية، ولكن استطاع الكتّاب الأوائل توثيق الكثير من الشعر الجاهلي الأصيل وتقييم المنحول منه والإشارة إلى أنه كذلك، فبات يصلنا الأصيل مقروناً باسم صاحبه، وسواه مصحوباً بالرواية وظروفها وأصحابها، كما ذهب طه حسين بنظرية الشك في كتابه “في الشعر الجاهلي” (1926م) مذهباً متطرفاً بالتشكيك في قيمة هذا الشعر كله، معتبراً أن معظمه منحول ومصنوع بعد الإسلام متأثراً بالحياة الدينية والسياسية؛ ما أحدث ضجة نقدية واسعة.
دوافع النحل والانتحال
لجأ الرواة والقبائل إلى هذه الظاهرة لعدة أسباب رئيسية منها العصبية القبلية حيث سعت بعض القبائل لنسب قصائد لأجدادها لترفع من شأنها وتخلّد مآثرها وبدوافع دينية وسياسية كاختلاق أشعار جاهلية تتضمن التوحيد، أو تبشر بنبوة محمد ﷺ لإثبات صحة الدعوة، كما كان النحاة واللغويون ينحلون الشعر ليستشهدوا به كقاعدة في النحو أو الصرف.
ورغم كل ذلك لم يقف علماء الأدب والنقد موقف العاجز أمام هذه القضية، بل وضعوا ضوابط نقدية صارمة للتمييز بين الشعر الصحيح والمنحول بناءً على لغة الشعر من خلال مقارنة المفردات بلهجات القبائل المعروفة والتأكد من أن البيئة والوصف يتطابقان مع واقع الحياة الجاهلية ورفض النصوص التي تحتوي على مفاهيم إسلامية بحتة وتُنسب لشاعر مات قبل البعثة.
ومما تقدّم نستطيع أن نقول: لا ضير في وجودة ظاهرة سلبية في علم ما، إن كانت تدفعنا للبحث والتمحيص للتمييز بين الغث والسمين وإظهار الجيد واستبعاد الرديء، فهكذا أُسِّس النقد الأدبي بكل عصور الأدب وصولاً إلى العصر الحديث، حتى استطاع تأسيس مدارس نقدية متنوعة أثرت الآداب بجميع أشكالها وفنونه، وعليه تطورت جيلاً بعد جيل وصولاً إلى العصر للحديث.