في الدرباسية، لا تجلس الحدود على الأسلاك كطيور متعبة، بل تنبثق كالحمّى من تواطؤ الصمت مع الفراغ. هناك، تمددت السكة الحديدية؛ عمود فقري لأفعى خرافية أصيبت بالروماتيزم جراء عبور الملاحم فوق مفاصلها. سكة نسيت تدوير العجلات في أرحام الميكانيك، فاكتفت بتربية الصدأ كحزاز بري يقتات على وقع الخُطا الضائعة.
بعيداً عن صخب الوجود، وتحديداً خلف مسلخ الخراف، حيث الهواء وليمة دسمة من بخار الدم الساخن وملح الرياح العاتية، تبدأ البلاد في خلع تضاريسها الإسمية، لترتدي هويات غامضة لا تفك شفرتها سوى الغربان، تلك التي تحلق كعلامات ترقيم سوداء في سماء لا تمطر إلا الحيرة. عن اليمين، كانت المقبرة ترفع شواهدها الكلسية؛ أصابع متيبسة لعجائز غابرين تلوح للغيوم بأسئلة لزجة عن جدوى النشور.
وعن الشمال، جثمت البيوت الطينية؛ قطيع من الأيائل المتفحمة برداً، تلصق خواصرها ببعضها لتتقي وخز السنين. جدران تلك البيوت كائنات مصابة بالاستسقاء، تشرب المطر بظمأ قديم، ثم تنشق جلودها عن أثلامٍ دقيقة تحاكي جغرافيا العروق الميتة على أكف العجائز اللواتي عجنّ العزلة بالماء. كنتُ أطأ حافة السكة كل فجر، فأرى القضيبين الحديديين لا كمسارٍ للمعدن الثقيل، بل كوترين مشدودين على حنجرة الأرض، وكلما مشطت الريح لحيتيهما الصدئتين، انبعث عويل خفي لا يلتقطه إلا مَن بترت الغربة نصف روحه ورمته خلف الأسلاك. كان المسلخ يستبق الفجر بجنازته اليومية. السكاكين هناك لا تقطع بل تتذكر وظيفتها الأزلية في فصل اليقين عن الشريان. والأرض، تلك الإسفنجة الكونية، تتلقى الشلال القاني ببلادة أمٍّ خبرت فواجع أولادها حتى تحجر دمعها.
وفي محيط هذا القربان، كان الكلب “شيركو” (شبل الجبل) بفرائه الرمادي الكثيف وأذنيه المصلوبتين كحارسي غيب، يقف عند عتبة الدم ومعه الكلبة “زوزان” (المرج الجبلي) ذات العينين الغائرتين كبئرين من ليل.
لم يكن “شيركو” و”زوزان” يتنازعان على الأحشاء الملقاة، بل كانا يقرآن من تجلطات الدماء على التراب خطوط الطالع؛ يفرزان خروفاً مات بذعر الطاعة من خروفٍ قاده الذئب إلى حتفه بنبل.
وفجأة، من بين الشقوق المتاخمة للمقبرة، يظهر الثعلب “ريناس” (الدليل/ الخبير) بذيله المحموم كشعلة مطفأة. كان “ريناس” يمثل كهانة البراري؛ يمرق بين شواهد القبور والمسلخ كخيط واهن يربط الذبح بالدفن.
كان “ريناس” يهمس لـ “شيركو” و”زوزان” بلغة الضباع القديمة:
– إن السكة ليست فاصلاً بين تراب وتراب، بل هي نصل سكين ضخم نسيه الله بعد ذبح الأرض الأولى.
كان الثلاثة يعلمون أن المسافة بين سكين المسلخ وشاهدة القبر ليست سوى وثبة برغوث، وأن الإنسان الذي يظن نفسه مسافراً ليس إلا طريدة تدور حول حتفها الدائري.
أما البيوت الطينية، فكانت أرحاماً مقلوبة؛ الطين فيها ليس مزيجاً من تبر وتِبن، بل هو خطيئة الذاكرة اللزجة. إنه يحتفظ ببصمات أمهات عجنّ المأساة بدموع الرمد، وضحكات أطفال قضموا من الطين قطعاً وشكلوها على هيئة خيول عمياء خرساء لا تملك سيقاناً للركض. في القيظ، ينفث الطين زفيراً حامضاً يشبه طحين القحط، وفي الزمهرير ينكمش على قاطنيه كمخالب طائر جارح يحمي فراخه من شظايا الريح.
وعندما يسدل الغسق سدوله، تصبح الحدود ميتافيزيقيا محضة. تشتعل المصابيح في المقلب الآخر للسراب، كجمرٍ طائش سقط من مواقد الملائكة المتعبين. كانت النساء يرتقين الأسطح، يحدقن في الضوء البعيد لا رغبةً في التسلل، بل لأن الضوء الشحيح كان يوقظ في خلاياهن مهنة “التنقيب عن الفقد”.
كان بير (شيخ الحي) العجوز، ذو العينين اللتين غشاهما بياضٌ يشبه حليب الوعول، يقول وهو يهش بعصاه الآبنوسية على الأثير:
– هذه السكة لم تشطر بلداً، بل شطرت زقزقة العصافير إلى لغتين، وعزلت رائحة التنور عن طعم الفم. إن الحديد مخلوق غبي لا يفقه فقه الممالك والخرائط، لكن الآدميين هم من حقنوا في عروقه سمّ الجدران.
وفي ليلة تلبّست بالغموض، ليلة انشق فيها الليل عن قميص من الكتان الأسود، عبر قطار شبحي لم يره أحد، لكن الجميع استضافوا صوته في جماجمهم. ارتجت النوافذ الطينية كفجيعة مباغتة، ونهضت الدجاجات نافضةً ريش الخوف، واهتزت شواهد القبور كأن الموتى يلوحون لركاب مجهولين.
حتى “شيركو” و”زوزان” و”ريناس” كفوا عن ممارسة طقس التفتيش في أحشاء الليل؛ تسمروا في أمكنتهم كتماثيل من حجر بركاني، معترفين بأن للمعدن الحق في أن يجهش بالبكاء وأن يحلم بنهوضه الأخير من وثاق الأرض.
هرع السابلة إلى العتبات.
لم يجدوا حديداً يئن، ولا مقصورات تقذف العتمة. وجدوا القمر وحده، ممدداً بجسده البرصاوي فوق القضبان، مستطيلاً، ممعناً في الفضة، كأنه العربة الأخيرة والوحيدة التي أفلتت من مذبحة الزمان ونفيت إلى الأبد على هذه السكة.
ومنذ ذلك الفجر الغابر، كلما حاذيت تلك السكة، لا أراها خطاً هندسياً يقسم الجغرافيا، بل تخدشاً غائراً في لحم الطين؛ ندبة أبدية ترفض الالتئام. فالندوب لا توجع التراب في قيامته وصمته…
إنها توجع فقط أولئك الذين ما زالوا يملكون حاسة الشم ليتذكروا أن هذا الغبار المطحون بالدم والدموع، كان يوماً، جسداً واحداً لوطن لم يكتمل.