الرضا من أجمل الأخلاق التي تزين الإنسان، ومن أعظم أسباب الطمأنينة والسعادة، فهو ليس استسلامًا للواقع ولا تخليًا عن الطموح، بل هو أن يبذل الإنسان ما يستطيع من جهد، ثم يطمئن إلى حكمة الله فيما يأتي بعد ذلك، وقد دعا الله تعالى في آيات كثيرة إلى معاني الرضا والقناعة وحسن الظن به، كما أوصى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بما يورث سكينة القلب ويحرره من القلق والسخط، فالإنسان الراضي يعيش متوازنًا؛ يفرح بالنعم دون غرور، ويواجه الشدائد دون يأس، لأنه يعلم أن للحياة سننًا، وأن وراء كل قدر حكمة قد تخفى اليوم وتظهر غدًا.
وعلى الضفة الأخرى يقف التباهي، وهو من أكثر ما يُفسد على الإنسان صفاء قلبه وسعادته، فالمتباهي لا ينشغل بما لديه بقدر انشغاله بما عند الآخرين، ولا يفرح بالنعمة لذاتها بل لما تمنحه من تميزٍ في أعين الناس، ولهذا يبقى أسير المقارنات والمنافسات التي لا تنتهي، فكلما بلغ منزلةً تطلّع إلى ما فوقها، وكلما نال شيئًا بحث عما هو أكبر منه، ومن هنا يفقد راحته النفسية؛ لأن السعادة الحقيقية لا تأتي من كثرة ما نملك، بل من قدرتنا على تقدير ما نملك.
والرضا لا يظهر في أوقات الراحة فقط، بل يتجلى أكثر عند المنع والتأخير والابتلاء، فكم من أمرٍ تمنيناه ثم تبين لنا أن الخير في عدم حصوله، وكم من محنة ظنناها شرًا فإذا بها تفتح لنا أبوابًا من الخير لم نكن نتوقعها، إن الإنسان حين يوقن أن الله أرحم به من نفسه، وأن تدبيره سبحانه أكمل من تدبير البشر، يهدأ قلبه ويخف تعلقه بالمظاهر والأسباب، ويصبح أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الحياة بثبات وثقة.
ومن ثمار الرضا أنه يزرع في النفس الشكر والتواضع، ويجعل الإنسان أكثر قربًا من الناس وأكثر رحمة بهم، فالراضي لا يحسده نجاح الآخرين، ولا تؤذيه نعمهم، لأنه يعلم أن الأرزاق موزعة بحكمة وعدل، كما أنه لا يقيس قيمة نفسه بما يملك من مال أو منصب أو جاه، بل بما يحمله من أخلاق وما يقدمه من خير، ولذلك يكون الرضا سببًا في سلامة القلب، وصفاء العلاقات، والعيش بعيدًا عن الحسد والضغائن والصراعات التي تستنزف النفوس.
إن عالمنا اليوم أحوج ما يكون إلى هذا الخلق الكريم، في زمن كثرت فيه المظاهر وسهلت فيه المقارنات، حتى أصبح كثير من الناس يطاردون صورة السعادة أكثر مما يعيشونها، والحق أن السعادة ليست في امتلاك كل شيء، وإنما في الرضا بما قسم الله مع السعي إلى الأفضل، وفي شكر النعمة دون مباهاة، وفي النظر إلى الحياة بعين الامتنان لا بعين الحرمان، فمن رضي عاش مطمئن القلب، ومن شكر دامت نعمته، ومن ترك التباهي حفظ كرامته، وفاز براحة لا تُشترى بمال ولا تُنال بجاه.