التقى في نهاية الأسبوع المنصرم، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، كلاً من رئيس إقليم كردستان، نيجرفان بارزاني، ومبعوث الرئيس الأمريكي إلى سوريا والعراق، توم باراك، في مدينة هولير بإقليم كردستان، وتناول اللقاء مجموعة من الملفات المهمة، كان أبرزها الملف السوري الذي طغى على مجمل المحادثات.
ومن بين القضايا التي جرى التطرق إليها اتفاق 29 كانون الثاني المبرم بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة، حيث أكد المجتمعون ضرورة تطبيق بنود الاتفاق والعمل على تسريع تنفيذها، في وقتٍ تحاول فيه الحكومة السورية المؤتقة، بشتى الطرق والأساليب، عرقلة هذا المسار، ولا سيما في مدينتي كوباني والحسكة، كما تواصل اتخاذ خطوات من شأنها تأزيم المشهد العام في البلاد، ودفعه نحو مزيد من التعقيد، وخلق صراعات طائفية تُلهي الشعوب السورية عن مطالبها وأهدافها الأساسية في المرحلة الراهنة.
والملفت في لقاء هولير هذه المرة أنه تزامن مع توصل الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، الممر البحري والشريان الحيوي للتجارة العالمية، الأمر الذي أسهم في إنهاء حالة الحرب التي استمرت لأشهر وخلّفت تداعياتٍ اقتصادية وسياسية كبيرة على شعوب المنطقة برمتها، ولا سيما في الداخل الإيراني. كما تزامن ذلك مع تصاعد الحديث عن مشاركة سوريا في مخطط يستهدف محاربة حزب الله في لبنان، رغم أن الجميع يدرك بوضوح أن سوريا غير قادرة على الانخراط في مثل هذه الحرب، ولا تمتلك القرار المطلوب في هذا الملف الحساس، الذي ستكون له انعكاسات سياسية وميدانية في آنٍ واحد.
والواضح من هذا اللقاء ونتائجه أن الإدارة الأمريكية الحالية تنتهج سياسة تقوم على حماية مصالحها في المنطقة، إلى جانب ضمان أمن إسرائيل بالدرجة الأولى، وردع كل من يشكل خطراً على بقائها قوةً فاعلة في الشرق الأوسط، الذي يشهد صراعات دامية ومتواصلة. كما تسعى إلى حماية أهدافها الاستراتيجية التي تتصدر أولويات السياسة الأمريكية، والتي حوّلت سوريا، بعد رحيل بشار الأسد، إلى ساحة للتأثير المباشر في سياسات المنطقة، وتسهم هذه الممارسات في استمرار حالة الفوضى في ظل غياب الرؤية الوطنية السورية، إلى جانب خطاب سياسي لا يتجاوز في كثير من الأحيان حدود الشعارات الفارغة. وبينما تتعالى الأصوات دون أن تجد آذاناً صاغية، يبقى المواطن السوري رهينة سياسات الإقصاء ومحاولات التصفية، ومنشغلاً بالبحث عن لقمة العيش أكثر من أي شيء آخر.
لذلك؛ لا يتفاءل السوريون كثيراً بمثل هذه اللقاءات، ولا يعولون عليها، كما لا يمكنهم بناء آمال كبيرة عليها، بعدما ذاقوا الكثير من الويلات نتيجة الاستراتيجية الأمريكية وازدواجية المعايير الدولية تجاه قضيتهم، ويبقى الحوار الوطني السوري هو السبيل الأجدى لمداواة جراح السوريين وفتح الطريق أمام معالجة أزماتهم المتراكمة، أما الرهان على القوى الدولية، فلا يمكن أن يكون مجدياً إلا عندما تعترف هذه القوى بإرادة الشعوب ونضالها وتضحياتها، وتتعامل معها باعتبارها شريكاً حقيقياً في رسم مستقبلها.