هدأت الحرب الأمريكية الإيرانية؛ والتقط العالم أنفاسه؛ وهو ما يجعلنا نتأمل الوضع في العالم خاصةً في منطقة الشرق الأوسط؛ التي لا تهدأ فيها حرب حتى تندلع حرباً أخرى؛ ويوماً بعد يوم تتمزق الدول من الداخل لتكون مهيئة لحروبٍ داخلية؛ لا ينتصر فيها أحد؛ وتخسر الشعوب والأوطان؛ بل ويخسر فيها الدين أيضاً…
الحقيقة الغائبة
نحاول قراءة ما وراء ما يحدث من قتل في غزة وحرب إيران؛ ومن قبلها حروب أهلية في سوريا وانتهاك واضطهاد تركيا لحقوق الشعب الكردي؛ وتدخل الدول الكبرى في الشأن الشرق أوسطي؛ كل هذا يدفعنا لتحليل سبب هزائم هذه الدول؛ وهي أسباب متعددة؛ في مقدمتها الاستبداد باسم الإسلام؛ وهو ما نشرحه.
والحقيقة إن المنطقة التي نعيش فيها؛ تعاني من التآمر الخارجي الصهيوني الأمريكي؛ وهي حقيقة معروفة؛ ولكن الأخطر هو الاستبداد السياسي باسم الدين؛ وهو سبب كل مشاكل دول المنطقة برمتها.
الدين ثورة في مشروع الأمة الديمقراطية
إن الأديان عموماً جاءت بالتوحيد والعدل؛ والعدل يتطلب المساواة ويحمل في طياته بذور الثورة ضد الظلم والتهميش. وتاريخياً، لم يكن الدين نفسه أداة استبداد، لكن توظيفه السياسي حوّل النصوص المقدسة إلى تبرير للسلطة المطلقة؛ وتلك هي المشكلة؛ لأن السلطات الحاكمة المستبدة تتحالف مع الأغنياء ويقهرون الفقراء والضعفاء؛ ثم يقوم رجل الدين لتبربر الاستبداد وتبشير الفقراء بالجنة.
والحقيقة إن المفكر عبد الله أوجلان وضع ووضح رؤيته للاستبداد؛ وجمع وربط بين السلام الداخلي بجانب السلام العالمي في مشروع الأمة الديمقراطية؛ وهو ما كتبنا عنه كثيراً؛ لأن ذلك المشروع الأوجلاني يبدأ بمنع الاستبداد؛ خاصةً إذا اتخذ من الدين ستاراً للطاعة المزيفة.
الطريق إلى الاستبداد
إن الاستبداد باسم الدين يبدأ عندما تحتكر السلطة حق تفسير الدين؛ ويصبح أي اعتراض سياسي “اعتراضاً على الشرع”، وأي نقد للحاكم “طعناً في الدين” وهنا تُغلق مساحة النقاش ويُصادر العقل.
إن السلطات المستبدة تستخدم الدين لثلاثة أغراض، وهي: إضفاء القداسة على الحاكم، فيصبح الخروج عليه خروجاً على أمرٍ إلهي؛ ثم تجريم المعارضة ووصمها بالردة أو الكفر؛ ثم تجميد الاجتهاد، وتقديم قراءة واحدة جامدة كأنها الحقيقة النهائية.
النتيجة المأساوية تقع على المجتمع؛ لأنه يدفع الثمن؛ حيث تتحول المؤسسات الدينية إلى أدوات أمنية؛ والدين نفسه يتضرر، لأنه يرتبط في أذهان الناس بالقهر بدل القيم. الخطر ليس في الدين كقيمة، بل في اختزاله بشعارات سياسية تمنع المحاسبة؛ والمجتمعات التي فصلت بين قداسة النص وحق النقد السياسي، هي التي حمت الدين من الاستبداد، وحمت السياسة من التقديس.
كما توجد علاقة طردية بين المنبر الإعلامي الديني والسلطة السياسية في كل الأديان، والعلاقة الطردية تعني أنه كلما زادت السلطة استبدادًا، زادت المنابر سخونةً للدعاء السياسي للمستبد السلطوي، وعلينا الاعتراف بأنه مهما كتب الكتّاب وألّف المؤلفون، لا يكون لهم تأثير مثل تأثير الخطب المنبرية، لأنها تحدّث العوام، وتؤثّر فيهم، وتملك ناصيتهم.
في كل الأحوال نرى إنه إذا لم يتحرر الخطاب الديني؛ سنظل ضعفاء أمام أنفسنا وأمام العالم؛ وعرضة للاستبداد الداخلي والعدوان الخارجي؛ رغم إن لدينا مشروعاً فكرياً يتمثل في نظرية الأمة الديمقراطية التي بشر بها القائد المفكر عبد الله أوجلان؛ ونحن منظرون.