مساء الأربعاء 17 حزيران الجاري، أسدل الستار على مهرجان “هيفي/ الأمل” لمسرح الطفل في مركز محمد شيخو للفن والثقافة بمدينة قامشلو، برعاية حركة ميزوبوتاميا للفن والثقافة وهيئة الثقافة في الجزيرة، وبدعم مباشر من كومين المسرح مسجلاً بداية جديدة في سجل المسرح الكردي.
المهرجان الأول لمسرح الطفل يتجاوز فكرة “المهرجان” بوصفه تظاهرة ثقافية عابرة، بل هي عملية فتح باب واسع أمام قراءة نقدية معمقة في مشهدية مسرح الطفل الكردي، في خصوصيته، وفي أسئلته الجمالية والوجودية، فليس عبثاً أن يحمل المهرجان شعار “المسرح أجمل مع لغتي الكردية الأم”، ففي سوريا، حيث عانت اللغة الكردية لعقود من التهميش والمنع، يصبح كل حرف يُنطق على الخشبة بلغتنا الأم فعلاً سياسياً وثقافياً بامتياز، إنه استكمال لمعركة الهوية التي تُخاض في الجبهات، وفي الشارع، وفي الكتاب، وفي الأغنية، وهنا تكمن الخصوصية الأولى لمسرح الطفل الكردي في سوريا، كونه مسرحاً لا يكتفي بالترفيه، بل هو ابن ضرورة وجودية.
عندما يقف طفل على الخشبة متحدثاً بالكردية، فهو لا يمثل فقط، بل يؤكد أن هذه اللغة حية، وأن الجيل الجديد يحملها في قلبه قبل لسانه، تتجلى هذه الخصوصية في البعد التحرري، فكل عرض هو انتصار ثقافي على سياسات الإقصاء، والبعد اللغوي، حيث يعمل المسرح كمختبر حي يسمع فيه الأطفال الكردية الفصحى والمبسطة، فيتعلمون مفردات جديدة بعيداً عن اللهجة المنزلية فقط، إضافة إلى بعد الذاكرة، حيث يتحول المسرح إلى حامل للتراث الشفهي الكردي من الحكايا والأغاني إلى فضاء بصري حي.
في قلب المهرجان، وقفت طفلة في الثامنة من عمرها، اسمها “سازفين موسى”، والتي حملت من اسمها الجميل كل المعاني التي تطفح بها مفردتي “ساز” و”فين” وقفت وحدها على الخشبة، أمام جمهور غاصت به القاعة، ولمدة ثلاثين دقيقة كاملة، لتقدم عرضاً مونودرامياً هو الأول من نوعه لطفلة بهذا العمر، ليس على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى العالمي، حسب المعطيات المتوفرة، والمونودراما، في تعريفها الفني، هي أصعب أشكال المسرح، إنها تقوم على ممثل واحد يحمل على كتفيه النص والصراع والشخصيات كلها. لكن؛ أن تقدم طفلة في الثامنة عرضاً مونودرامياً، فهذا ليس مجرد اجتهاد لطيف، بل هو تحدٍ حقيقي للسائد، وإعادة تعريف لمفهوم “مسرح الطفل”، فنحن هنا لسنا أمام مسرح للطفل، بل مسرح من الطفل وإليه.
ففي عرض “نحن المستقبل”، تنقلت سازفين بين أدوار مختلفة ومتنوعة وصعبة بسهولة ويسر، فمن معلمة، إلى مديرة المدرسة، وصولاً إلى رائدة الفضاء، إلى تشخيص أدوار الأم، الأب، الجدة، ولتتربع منصب رئيسة للعالم، قبل أن تؤدي دور رئيسة للدولة.
إن التنقل بين هذه الشخصيات لم يكن مجرد تقليد شكلي، كان ثمة تحول في نبرة الصوت، في قسمات الوجه، في وقفة الجسد، للحظة، تنسى أنك تشاهد طفلة، وترى أمامك ممثلة حقيقية تقول للعالم: “نحن هنا، نحن المستقبل، فلتفسحوا لنا الطريق”.
من أبرز ما ميز عرض سازفين هو ذلك التناغم الساحر بينها وبين الجمهور، لم تكن هناك تلك المسافة الباردة التي تفصل عادة بين الخشبة والصالة، ضحكات الأطفال والكبار تصاعدت في لحظاتها الكوميدية، والتصفيق قطع سكون اللحظات المؤثرة، هذه اللحظة بالتحديد هي ما يمنح مسرح الطفل خصوصيته الأعمق بوصفه لقاءً حياً، في زمن الشاشات والعزلة الرقمية، حيث يأتي هذا المهرجان ليعيد للطفل متعة التجمع والجمهرة، متعة أن يضحك مع آخرين، أن يتأثر مع آخرين، أن يعيش التجربة الإنسانية كاملة.
لا يمكن قراءة ظاهرة سازفين موسى بمعزل عن بيئتها، هي ابنة كل من الفنان التشكيلي عمار موسى والفنانة زوزان بطال، التي لم تقف خلف الكواليس فقط كمساعدة مخرج، بل كانت معها قلباً وروحاً وتربية ورعاية، كما لا يمكن إغفال دور أخيها الفنان والكاتب ساوشكا الذي وضع التوزيع الموسيقي، لمسات التدريب المنزلي كانت واضحة، وهي تختصر نظرية كاملة في الفن لتثبت ان رعاية العائلة والجو الأسري الداعم قادران على صناعة نجوم في عالم الفن مستقبلاً.
الطفولة ليست نبتة برية تنمو وحدها، إنها تحتاج إلى بيت يقرأ، بيت يرسم، بيت يعزف الموسيقى، فيتشرب روحه بالفن والأدب الراقي، وبيت يصعد إلى الخشبة، فتصعد طفلة مثل سازفين وتسرق الأضواء.
في حالة سازفين، الفن ليس نشاطاً إضافياً بعد المدرسة، بل هو هواء البيت الذي تتنفسه، وهذا نموذج يستحق أن يُدرس ويُعمم، فكم من أطفال كرد يمتلكون طاقات كامنة، لكنهم يفتقرون إلى العائلة التي ترى في الفن قيمة وليس ترفاً؟ لكن المسرح، في جوهره، فعل جماعي، فالنجمة التي تسطع على الخشبة تحمل معها جهد فريق كامل يؤمن بأن مستقبل المسرح الكردي يبدأ من الطفولة، هنا يبرز دور الكاتب والمخرج المسرحي آلان عبد الله، بتصميمه وإرادته التي استطاعت أن تتحدى كل المعوقات، وقاد عملية الإخراج بذكاء موجه لعمق تفكير الطفل، من خلال صنعه التيمة المناسبة لتكون جسراً ملوناً بالفرح بين العرض والصالة، كما كان للمخرج المخضرم وليد العمر لمساته الواضحة في وضع ديكور جميل ومميز خدم العملية الإخراجية، ليمنح العرض عمقه وجماليته، من خلال التدريب المستمر، وأيام من التعب والإرهاق، تم تذليل كل العقبات اللوجستية والفنية واحدة تلو الأخرى، فسطع العرض متحدياً كل العقبات.
“نحن المستقبل” لم تكن مجرد استعراض للموهبة، كانت بياناً طفولياً مكثفاً، موجهاً إلى كل الفئات، وليس عملاً مسرحاً موجهاً من الطفل إلى الطفل، وإنما كان رسالة موجهة لـ (الكبار) وخاصة أن المسرحية حملت رسائل واضحة تتابعت من حياة حرة كريمة كحق أساسي لا يُساوم عليه، وطفولة مصانة الحقوق، حيث لا لعمالة الأطفال، لا للزواج المبكر، لا للتجنيد، هواء نقي ضمن وعي بيئي مبكر يزرع في وجدان المتلقي الصغير، إلى سلام بلا قتال، وهو حلم الطفولة الأبدي في منطقة أنهكتها الحروب، والمدهش أن هذه الرسائل لم تُقدم بطريقة وعظية مباشرة، بل تغلغلت في نسيج العرض بخفة وذكاء، فرئيسة العالم التي تؤدي دورها طفلة في الثامنة هي بذاتها رسالة، نعم، يمكن لطفلة كردية أن تحلم بقيادة العالم.
مهرجان “هيفي/ الأمل”، وتجربة سازفين موسى تحديداً، يفتحان الباب أمام أسئلة مستقبلية لا تقبل التأجيل، ومنها متى نرى فرقاً مسرحية كاملة من أطفالنا تتصدر المسارح؟ ليس مجرد مشاركات رمزية، بل فرقاً محترفة تدرب الأطفال على الكتابة والتمثيل والإخراج، وتجوب مدن وقرى روج آفا، وكيف نكتشف المواهب في البيئات الأقل حظاً؟ فليس كل طفل موهوب يمتلك عائلة فنية داعمة، وهنا يأتي دور المؤسسات الثقافية وكومين المسرح رعاية هذه المواهب، وكيف نؤسس لتقليد مسرحي كردي راسخ؟ بالتوثيق، وبالكتابة النقدية، وبتنظيم مهرجانات دورية، وبربط المسرح بالمدارس، بجعل الخشبة حلماً يراود كل طفل.
حين رفعت سازفين موسى صوتها على خشبة مركز محمد شيخو، لم تكن تمثل وحدها، كان صوتها يحمل أصوات كل الأطفال الكرد الذين حرموا من لغتهم، والذين حلموا بخشبة ولم يصلوا إليها، في عرض “نحن المستقبل”، تجسد المستقبل فعلاً، مستقبل يكتبه الأطفال بأنفسهم، بلغتهم، وبأحلامهم التي لا سقف لها، وإذا كان مهرجان “هيفي الأمل” قد أسدل ستاره مساء الأربعاء، فإن الستار الحقيقي لم يُسدل بعد، إنه يُفتح الآن على مصراعيه، ونحن جميعاً مدعوون لنرى ما وراءه. لنرى جيلاً جديداً من المبدعين، يولد من رحم الألم، ويزهر على خشبات الأمل.