No Result
View All Result
يرى الباحث والمحلل السياسي ميرزاد حاجم، إن التحركات الروسية في سوريا، لا تعكس انسحاباً من البلاد، بل إعادة هيكلة للوجود الروسي، بما يحفظ مصالح موسكو الاستراتيجية، ويؤسس لعلاقةٍ أكثر براغماتية مع دمشق.
تشهد العلاقات الروسية السورية مرحلةً جديدة من إعادة الترتيب، في ظل مباحثات تجريها موسكو مع الحكومة المؤقتة السورية، بشأن مستقبل وجودها العسكري في البلاد، وتشير التقارير إلى إن هذه التحركات تُعدُّ مؤشراً على تراجع النفوذ الروسي، والمقاربة الروسية في سوريا، مختلفة تماماً، وتقوم على إعادة هيكلة مدروسة تحفظ المصالح الاستراتيجية لموسكو، بأقل كلفة سياسية وعسكرية ممكنة.
التركيز على حميميم وطرطوس
في السياق، تحدث الباحث والمحلل الساسي، ميرزاد حاجم، لوكالة هاوار، فقال: “الأوساط الأكاديمية الروسية ومراكز القرار في موسكو، تنظر إلى التطورات الجارية بقدر كبير من البراغماتية، لأن روسيا دولة تعرف بالضبط أين تكمن مصالحها الحيوية، وكيف تحميها بأقل كلفة ممكنة في عالم يتغير بسرعة”.
وأوضح: “الوجود الروسي الكبير في سوريا، انتهت صلاحيته تماماً، موسكو كانت خلال ذروة الحرب تدير أكثر من مئة نقطة عسكرية موزعة على مناطق مختلفة من سوريا، وتؤدي دور “الإطفائي” لحماية جبهات متشعبة، وهو ما أصبح يمثل استنزافاً غير مبرر في ظروف السلم”.
وتابع: “الصيغة الجديدة التي تبحثها موسكو مع دمشق تقوم على مبدأ “تثبيت النواة الصلبة، والتخلص من الهوامش المكلفة”، حيث يتم التركيز على قاعدتي حميميم وطرطوس، بوصفهما الركيزتين الأساسيتين للوجود الروسي، مع تقليص المظاهر العسكرية المباشرة، وتحويل أجزاء من المنشأتين إلى مراكز لوجستية وتجارية وإنسانية مشتركة”.
وأضاف: “هذا التوجه يخدم مصالح الطرفين، إذ تحتاج دمشق إلى تعزيز صورة سيادتها الكاملة، أمام الداخل السوري ودول الجوار، في حين لا ترغب موسكو في الظهور بمظهر القوة الوصية، موسكو تريد تحويل القواعد إلى مراكز عبور تجارية، ومنشآت تدريب مشتركة، يمنح الحكومة السورية عوائداً اقتصادية وسيادية، بينما يضمن لروسيا وجودها الاستراتيجي بشرعية أعمق وكلفة سياسية أقل بكثير”.
وفيما يتعلق بالاهتمام الأميركي المتزايد بمصير القواعد الروسية في سوريا، قال: إن “القلق داخل الكونغرس الأميركي، لا يرتبط بحرص على السيادة السورية، بل يعود إلى ما وصفه بـ “صدمة الحسابات الخاطئة، ودوائر القرار في واشنطن، كانت تتوقع أن التغيير السياسي في دمشق، سيعقبه طرد روسيا من شرق المتوسط وتبخر نفوذها في المياه الدافئة، إلا أن الواقع أظهر استمرار الحضور الروسي، ونجاح موسكو في فتح قنوات تواصل مباشرة مع الحكومة المؤقتة”.
الخروج الروسي انتحار جيوسياسي
ولفت: إلى إن “قاعدتي حميميم وطرطوس، تمثلان نقطة ارتكاز لوجستية رئيسة لشبكات الإمداد الروسية، المتجهة نحو إفريقيا، الأمر الذي يجعل أي محاولة لإغلاقهما أو تقييد نشاطهما، تهديداً مباشراً للمصالح الروسية هناك، وهو ما لن تقبل به موسكو”.
وفي قراءته لمستقبل العلاقة بين موسكو ودمشق، تحدث بقوله: إن “هذه العلاقة تشهد تحولاً من صيغة “الحامي العسكري”، إلى صيغة “الشركاء البراغماتيين”، ميناء طرطوس يمثل المنشأة البحرية الروسية الوحيدة على البحر المتوسط، خارج روسيا، لذلك؛ فإن التخلي عنه غير مطروح داخل دوائر صنع القرار الروسية، لأن ذلك سيعني انتحار جيوسياسي وتنازل طوعي من روسيا، عن صفتها كقوة بحرية عالمية”.
وأضاف: إن “المرونة الروسية في التفاوض على شكل القواعد، هي مناورة ذكية للحفاظ على الجوهر (الرصيف البحري والمدرج الجوي)، مقابل التضحية بالمظاهر العسكرية التي انتهى زمنها، كما أن موسكو لا تعارض انفتاح دمشق على محيطها العربي، أو على الدول الغربية، بهدف إعادة الإعمار وجلب الاستثمارات، بل ترى في ذلك فرصة لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن روسيا”.
ولفت: “الدور الروسي في سوريا، لم يعد قائماً على احتكار الملف الأمني، بل يتجه نحو شراكة استراتيجية تركز على حماية خطوط التجارة والطاقة، وضمان توازن العلاقات الدولية لسوريا، ومنع وقوعها تحت الهيمنة المطلقة لأي قطب إقليمي أو دولي آخر”.
واختتم ميرزاد حاجم: إن “روسيا لن تنسحب من سوريا، ولكنها غيرت من قواعد البقاء، وبدلت العسكرة بالدبلوماسية، والقواعد التي لعبت دوراً أساسياً في حماية النظام السوري السابق من الانهيار والتفكك خلال سنوات الحرب، هي ذاتها التي تسعى روسيا اليوم إلى توظيفها لضمان حضور دائم ومؤثر في معادلات شرق المتوسط خلال مرحلة السلم”.
No Result
View All Result