قامشلو/ ملاك علي –شهدت مدينة قامشلو يومي 16 و17 حزيران فعاليات الدورة الأولى من مهرجان “الأمل” لمسرح الطفل، الذي نظمته هيئة الثقافة والفن بالتعاون مع مسرح جيا وحركة هلال زيرين تحت شعار “المسرح بلغتنا الأم أجمل”، بمشاركة واسعة من الأطفال والفرق الفنية والمسرحية القادمة من مختلف مناطق روج آفا.
جاء تنظيم المهرجان تتويجاً لسنوات من العمل في مجال ثقافة الطفل، واستكمالاً لتجربة مهرجان فن الطفل الصيفي الذي تحوّل هذا العام إلى مهرجانٍ متخصص بمسرح الطفل، بهدف توفير مساحة إبداعية تتيح للأطفال التعبير عن مواهبهم وأفكارهم من خلال الفن المسرحي، وتعزز حضورهم الثقافي بلغاتهم الأم.
وسبق انطلاق المهرجان تحضيراتٍ مكثفة استمرت عدة أشهر، حيث أجرت اللجنة التحضيرية جولاتٍ ميدانية على المراكز الثقافية والفنية في مختلف المدن لمتابعة تدريبات فرق مسرح الطفل وتقييم الأعمال المشاركة، وشارك في المهرجان نحو 600 طفلاً وطفلةً إلى جانب سبع فرق مسرحية للأطفال وعدد من الفرق الموسيقية والفلكلورية، فيما تراوحت أعمار المشاركين بين 8 و17 عاماً، وعملوا خلال الفترة الماضية على إعداد عروضهم المسرحية وتجهيز الديكورات والعناصر الفنية المختلفة استعداداً للمشاركة في هذا الحدث الثقافي.
كما حمل المهرجان بُعداً ثقافياً ولغوياً مهماً تزامناً مع إحياء يوم اللغة الكردية، إذ قُدمت معظم الأعمال باللغة الكردية إلى جانب العربية والأرمنية، تأكيداً على أهمية اللغة الأم في الحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز ارتباط الأطفال بثقافتهم وموروثهم الاجتماعي.
بداية حافلة بالفن
وانطلقت فعاليات اليوم الأول في مركز محمد شيخو للثقافة والفن بمدينة قامشلو وسط حضور جماهيري واسع من الأطفال وذويهم والمهتمين بالشأن الثقافي والفني، واستُهل البرنامج بعرض فيلم وثائقي استعرض مراحل التحضير للمهرجان والجهود التي بذلتها الفرق الفنية والأطفال المشاركون للوصول إلى هذه المناسبة الثقافية.
وتواصلت الفعاليات مع عرض موسيقي قدمته أوركسترا أطفال روج آفا، حيث عزف الأطفال مجموعةً من المقطوعات والأغاني باستخدام عدد من الآلات الموسيقية، من بينها الطنبور والغيتار والأورغ والدف والناي والتشيلو، في مشهدٍ عكس حجم المواهب الفنية التي يمتلكها الأطفال المشاركون.
كما قدمت فرقة باركين من منطقة كوجرات عروضاً غنائية وفلكلورية تنوعت بين الأغاني التراثية والدبكات الشعبية، مضيفةً أجواءً احتفالية عكست غنى وتنوع التراث الثقافي في المنطقة.
وشهد اليوم الأول تقديم أربع مسرحيات للأطفال، حملت في مضامينها رسائل تربوية وإنسانية متعددة، وكانت البداية مع مسرحية “الفأر والأسد” التي قدمتها فرقة الشهيدة فراشين، مستندةً، إلى إحدى الحكايات الرمزية المعروفة التي تؤكد أهمية التعاون وعدم الاستهانة بالآخرين مهما بدت إمكاناتهم محدودة، مسلطةً الضوء على قيم الصداقة والمساعدة المتبادلة.
كما قدمت فرقة “بارونيان” التابعة للمجلس الأرمني مسرحية “البئر المسحور والكنز الموعود“، التي تناولت مفهوم البحث عن الكنز من منظور تربوي يبرز إن المعرفة والعمل والتعاون هي الثروة الحقيقية التي ينبغي للإنسان السعي إليها.
أما فرقة الشهيد شيار التابعة لفرقة خابور فقدمت مسرحية “القاضي الصغير” التي عالجت مفهوم العدالة من منظور الأطفال، مؤكدةً أهمية الإنصاف والحوار واحترام الحقوق في بناء مجتمع سليم ومتوازن.
واختُتمت عروض اليوم الأول بمسرحية “الأبيض والأسود” التي قدمتها فرقة هلال زيرين في قرية كرباوي، حيث تناولت فكرة التعايش وقبول الآخر ونبذ التمييز من خلال قصة رمزية حملت رسائل تربوية وإنسانية موجهة للأطفال.
رسائل الوعي على الخشبة
وفي اليوم الثاني استمرت فعاليات المهرجان وسط حضور واسع من الأطفال والعائلات، واستُهل البرنامج بعرض فيديو توثيقي تضمّن رسائل دعم ومشاركة من أوروبا ومخيم مخمور وشنكال وباكور وباشور كردستان، إلى جانب مشاهد توثّق مراحل الإعداد والتحضير للمهرجان.
بعد ذلك قدمت فرقة هلال زيرين في قرية كرباوي مسرحية “Belek û Reşbelek” التي كان من المقرر عرضها في اليوم الأول، وتناولت المسرحية قصة مجموعة من القطط الجائعة التي حاولت خداع الفئران وإقناعها بإقامة علاقة صداقة معها بهدف افتراسها، قبل أن تدرك الفئران حقيقة نواياها وتتعلم أهمية الوعي والحذر في مواجهة الخداع.
كما قدمت فرقة الشهيد آردال التابعة لمركز دجلة للثقافة والفن مسرحية “الزهرة” التي ركزت على أهمية حماية البيئة والحفاظ على الطبيعة من التلوث، من خلال قصة تربوية سلطت الضوء على العلاقة الوثيقة بين الإنسان والبيئة.
وتابعت فرقة فراشين التابعة لحركة هلال زيرين عروض اليوم الثاني بمسرحية “سنذهب إلى النزهة” التي تناولت السلوكيات الخاطئة التي تؤدي إلى تلويث البيئة والإضرار بالطبيعة، داعيةً الأطفال إلى المحافظة على المساحات الخضراء واحترام البيئة باعتبارها جزءاً أساسياً من حياتهم.
أما فرقة Yek Par فقد قدمت مسرحية “نحن المستقبل“ التي ركزت على بناء شخصية الطفل وتعزيز ثقته بنفسه وتشجيعه على التمسك بأحلامه وطموحاته، مؤكدةً إن الأطفال يمثلون مستقبل المجتمعات وأساس تطورها.
ولم تقتصر فعاليات اليوم الثاني على العروض المسرحية فقط، بل قدمت فرقة أفزم التابعة لمركز هيزل للثقافة والفن مجموعة من الأغاني والفقرات الفنية التي أضفت أجواءً من الفرح والحيوية والتفاعل بين الأطفال والجمهور. واختُتمت فعاليات الدورة الأولى من مهرجان “الأمل” لمسرح الطفل بتكريم جميع الفرق المشاركة وتوزيع شهادات شكر وتقدير تقديراً لجهودها ومساهمتها في إنجاح المهرجان، وسط أجواء احتفالية عكست حجم التفاعل الجماهيري والنجاح الذي حققته هذه التجربة الثقافية.
وشكّل المهرجان على مدار يومين مساحةً فنية وثقافية مهمة للأطفال للتعبير عن مواهبهم وإبداعاتهم، كما نجح في توظيف المسرح والموسيقا والفن كوسائلٍ تربوية لنشر قيم التعاون والعدالة والأمل وحماية البيئة، إلى جانب تعزيز مكانة اللغة الأم في الأعمال الفنية الموجهة للأطفال.
وأكدت فعاليات المهرجان إن مسرح الطفل لا يقتصر على الترفيه فحسب، بل يمثل أداةً ثقافيةً وتربويةً فاعلة تُسهم في بناء شخصية الطفل وتنمية وعيه الاجتماعي والثقافي، بما يفتح المجال أمام جيل جديد من المبدعين القادرين على حمل رسالة الفن والثقافة في المستقبل.
رسالة تربوية من المسرح
وفي هذا السياق، أوضحت عضوة اللجنة التحضيرية للمهرجان، “بيريفان حسين“، إن مهرجان “الأمل” يعدُّ الأول من نوعه على مستوى روج آفا والمخصص لمسرح الطفل، مشيرةً، إلى أن الهدف الأساسي منه يتمثل في تعزيز القيم التربوية والإنسانية لدى الأطفال، وتعليمهم أساسيات الحياة اليومية، مثل النظافة، والصدق، والتعاون، والتعايش المشترك، والمحبة بين الأصدقاء.
وأضافت: “إن فعاليات اليوم الثاني استُكملت وسط أجواء من الفرح والحماس، وبمشاركة واسعة من الأطفال والفرق المسرحية”، مؤكدةً إن حفل الختام سيتضمن توزيع جوائز وشهادات تقدير على جميع الفرق التي قدمت عروضها على خشبة مسرح محمد شيخو للثقافة والفن.
ووجهت عضوة اللجنة التحضيرية لمهرجان مسرح الطفل “بيريفان حسين” رسالةً إلى الأهالي والمجتمع، في ختام حديثها، ودعت فيها إلى تشجيع الأطفال على الانخراط في الأنشطة المسرحية والفنية، مؤكدةً، على أن المسرح لا يقتصر على كونه وسيلة للترفيه، بل يعد مدرسة تربوية تسهم في تنمية شخصية الطفل وتعليمه كيفية التعايش مع الآخرين، وتعزز لديه المهارات الحياتية والثقة بالنفس والقدرة على التعبير والتواصل.