في كل عام تعود ذكرى هجرة النبي “محمد” صلى الله عليه وسلم، إلى أذهان المسلمين والمؤمنين تذكرهم بحدث تاريخي هام، ومفصلي في حياة الدعوة الإسلامية، التي ما كانت لتنتشر وتنتصر إن لم يقم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الهجرة، حيث أنه كان مضطهداً وممنوعاً من إقامة شرائع الإسلام في مكة المكرمة، وكان يتعرض هو وأصحابه للتنكيل والتعذيب والسب والشتم والاستهزاء، وكانت حقيقة الهجرة انتصاراً له بعد أن خذله قومه، خاصةً أهل الطائف الذين رموه بالحجارة حين ذهب يبلغهم رسالة الإسلام، وهناك تأثر النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً بفعلهم هذا، وجلس يبكي قائلاً: “اللهم إني أشكو ضعفي وقلة حيلتي وهواني على الناس”، لذلك؛ نصره الله سبحانه وتعالى بهجرته إلى المدينة المنورة، وجاء في القران الكريم: “إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” وبهذا القرار الحكيم عز الإسلام وعلا وانتشر، حين استقبله أهل المدينة بالأهازيج والأفراح والعطاء، وهناك قام النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة أول مسجد في الإسلام يرسخ عمود وعماد الشعائر الإسلامية في جميع بقاع الأرض، وهناك آخى بين المهاجرين والأنصار ليكون التآخي بين العشائر والقبائل، وهناك وقع مع اليهود والأديان الأخرى وثيقة المدينة، التي تعتبر حتى اليوم أهم عهد ودستور للعيش المشترك والتآلف بين الأديان وقبول بعضها البعض، حيث أقر فيها أن المدينة وطن لمجتمع واحد، يدافعون عنه جميعاً مهما تعددت أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم، لذلك؛ فإن في الهجرة دروساً عظيمة مهما تتبعناها وبحثنا سنجد أنها على جميع المستويات كانت نصراً حقيقياً للدين الإسلامي، حيث أن السور المكية كانت قصيرة ومقتضبة وخالية من التشريعات والأحكام والحدود، أما في المدينة المنورة فكانت السور الطوال التي تشرح دقائق حياة المجتمع الإسلامي ومواطنيه، وكذلك كانت انتصارات الإسلام في الغزوات انطلاقاً من المدينة المنورة، وكذلك الغنى المادي والقوة المادية تمت بناؤها، بحيث نستطيع القول: “إن هذه الهجرة فعلاً هي نقطه انطلاق التاريخ الأمة الإسلامية بشكلها الدولي”.