No Result
View All Result
كرديار دريعي
في اللحظات التي تُختبر فيها الشعوب، تُعرف قيمة المثقفين الحقيقيين. ففي أوقات الخطر، لا يُنتظر من المثقف أن يكون متفرجاً، ولا أن يختبئ خلف الكلمات المنمقة والبيانات الرمادية، بل أن يكون في مقدمة الصفوف، حارساً للوعي، وناقوساً يدق عند اقتراب الخطر، وصوتاً يزعج الفساد والانتهازية والتراجع. لكن؛ ما الذي نراه اليوم في روج آفا؟
بينما يواجه الناس أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة، وبينما تتعرض المكتسبات التي تحققت بدماء آلاف الشهداء لمحاولات الاحتواء والتفكيك، اختار قسم من الوسط الثقافي أن يعتزل معركة الوعي، ويتحول إلى نادٍ مغلق لتبادل المجاملات والصور التذكارية والألقاب الفارغة. لقد أصبح بعض من يسمون أنفسهم مثقفين أشبه بتجار في سوق الشهرة. يبيعون الكلمات ويشترون التصفيق. يتحدثون عن الثقافة كما يتحدث التجار عن بضائعهم، ويقيسون نجاحهم بعدد الدعوات والظهور الإعلامي لا بمدى تأثيرهم في المجتمع أو قدرتهم على كشف مواطن الخلل والانحراف.
إن المثقف الذي لا يرى معاناة شعبه ليس مثقفاً، بل موظف علاقات عامة. والمثقف الذي يخشى قول الحقيقة خوفاً على موقعه أو مصالحه ليس حاملاً للوعي، بل حارساً للركود. أما الذي يكتفي بالتصفيق لكل شيء، فهو شريك في إنتاج الأزمة لا جزء من الحل.
كيف يمكن لمن يدّعي الدفاع عن الثقافة أن يصمت أمام تراجع المؤسسات؟ وكيف لمن يتغنى بالهوية أن يغيب عن معركة حماية المجتمع من الانقسام والفساد والتبعية؟ وكيف لمن يحمل لقب “كاتب” أو “أكاديمي” أن يختزل دوره في حضور المناسبات والتقاط الصور بينما تتآكل القضايا الكبرى أمام أعين الجميع؟ إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس نقص السلاح ولا قلة الموارد، بل إفلاس النخب. فعندما تصبح الثقافة سلعة، والمواقف بضاعة، والضمير مشروعاً استثمارياً، يتحول المثقف من قوة تغيير إلى عبء على المجتمع. لقد كانت الشعوب تنظر إلى المثقفين باعتبارهم بوصلة أخلاقية وفكرية، لكن بعضهم اليوم فقد البوصلة وأصبح جزءاً من الضجيج العام. ضجيج كثير، وفكر قليل. خطابات طويلة، وأثر معدوم. حضور دائم في المشهد، وغياب كامل عن القضايا الحقيقية.
إن روج آفا لا تحتاج إلى مزيد من الخطب الاحتفالية، بل إلى ثورة ثقافية تعيد الاعتبار لدور المثقف الحقيقي. تحتاج إلى أقلام تجرؤ على النقد، وعقول تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية، وأصوات تدافع عن الحقيقة حتى عندما تكون مكلفة. فالتاريخ لا يخلّد أولئك الذين صفقوا للواقع، بل الذين امتلكوا الشجاعة لتغييره.
وعندما تُكتب صفحات هذه المرحلة، لن يُسأل المثقفون كم ندوة حضروا، ولا كم صورة التقطوا، ولا كم لقباً حملوا؛ بل سيُسألون سؤالاً واحداً: أين كنتم عندما كان شعبكم بحاجة إلى صوتكم؟
No Result
View All Result