د. دينا يعقوب (أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية/ القاهرة)
يُعد الشرق الأوسط أحد أكثر الأقاليم الدولية تعقيداً من الناحية الجيوسياسية، حيث تتداخل اعتبارات الأمن والهوية والدين والطاقة والتنافس الإقليمي. وفي قلب هذا المشهد يبرز مشروعان استراتيجيان رئيسان: المشروع الإيراني والمشروع الإسرائيلي. ورغم الاختلاف الجذري بينهما في المرجعيات الفكرية والسياسية، فإن كليهما يسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يحقق أمنه القومي ويعزز مكانته الاستراتيجية.
طبيعة المشروع الإيراني في المنطقة
من منظور السياسة الخارجية، يقوم المشروع الإيراني على مبدأ منع التهديدات قبل وصولها إلى الحدود الإيرانية. وقد تشكل هذا التوجه بصورة واضحة منذ الثورة الإيرانية عام 1979، ثم تعزز خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) التي رسخت لدى صناع القرار الإيراني قناعة بأن الأمن لا يتحقق داخل الحدود فقط، بل من خلال بناء عمق استراتيجي خارجها.
يعتمد المشروع الإيراني على عدة مرتكزات رئيسية:
أولاً، بناء شبكة نفوذ إقليمية تمتد عبر عدد من الدول والقوى غير الحكومية، بما يسمح لطهران بتوسيع مجال تأثيرها السياسي والعسكري.
ثانياً، تبني استراتيجية الردع غير المتماثل، حيث تعتمد إيران على الوكلاء والشبكات الحليفة والصواريخ والطائرات المسيّرة لتعويض الفجوة التقليدية بينها وبين القوى العسكرية الكبرى.
ثالثاً، مواجهة الوجود الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، بوصفهما التهديدين الرئيسين للأمن القومي الإيراني وفق الرؤية الرسمية الإيرانية.
رابعاً، السعي إلى الاعتراف بإيران كقوة إقليمية كبرى لها دور أساسي في ترتيبات الأمن الإقليمي.
وبالتالي، لا يمكن اختزال المشروع الإيراني في بعد ديني أو مذهبي فقط، رغم وجود هذا البعد، بل هو مشروع جيوسياسي يسعى إلى تحقيق النفوذ والردع والاعتراف الدولي. فالدين هنا يمثل أداة تعبئة وشرعية، لكنه ليس التفسير الوحيد للسلوك الإيراني.
طبيعة المشروع الإسرائيلي في المنطقة
على الجانب الآخر، يرتكز المشروع الإسرائيلي على معضلة الأمن الوجودي التي صاحبت تأسيس الدولة منذ عام 1948. فقد تشكلت العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية على أساس أن البيئة الإقليمية المحيطة قد تشكل تهديداً دائماً لبقائها.
يقوم المشروع الإسرائيلي على عدة أسس استراتيجية:
أولاً، الحفاظ على التفوق العسكري النوعي في المنطقة، بحيث تبقى إسرائيل متقدمة عسكرياً وتكنولوجياً على جميع خصومها المحتملين.
ثانياً، منع ظهور قوة إقليمية منافسة قادرة على تهديد ميزان القوى، سواء كانت عربية أو إيرانية.
ثالثاً، توسيع نطاق الاندماج الإقليمي عبر العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع دول المنطقة لتقليل العزلة الاستراتيجية.
رابعاً، ضمان الدعم الغربي، وخاصة الأمريكي، كونه أحد أهم ركائز القوة الإسرائيلية.
ومن هذا المنطلق، تنظر إسرائيل إلى إيران بوصفها التهديد الاستراتيجي الأهم، ليس بسبب القدرات العسكرية فقط، بل لأن إيران تمثل مشروعاً إقليمياً منافساً يسعى إلى تحدي الهيمنة الإسرائيلية على الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط.
العلاقة بين المشروعين
رغم الخطاب الأيديولوجي المتبادل، فإن جوهر التنافس بين إيران وإسرائيل هو صراع على النفوذ الإقليمي أكثر منه صراعاً عقائدياً بحتاً. فإيران تسعى إلى توسيع مجالها الحيوي وبناء توازن ردع ضد إسرائيل والولايات المتحدة. في المقابل، تسعى إسرائيل إلى منع تشكل أي قوة إقليمية قادرة على تقويض تفوقها الاستراتيجي. وبالتالي، فإن التنافس بين الطرفين يشبه في جوانب عديدة المنافسات الجيوسياسية التقليدية التي شهدها النظام الدولي عبر التاريخ، حيث تتصارع القوى الإقليمية على النفوذ والأمن والمكانة.
ما الحل المناسب لتجاوز أزمات المنطقة؟
تكشف خبرة العقود الماضية أن محاولات الحسم العسكري لم تنجح في إنتاج استقرار دائم. كما أن سياسات الإقصاء الكامل لأي طرف إقليمي أثبتت محدوديتها. لذلك؛ فإن الحل الأكثر واقعية يتمثل في بناء نظام أمن إقليمي جديد يقوم على عدة مبادئ:
أولاً، الاعتراف بالمصالح الأمنية المشروعة لجميع الأطراف الإقليمية دون استثناء.
ثانياً، إنشاء آليات إقليمية للحوار وإدارة الأزمات بدلاً من الاعتماد الدائم على المواجهة العسكرية.
ثالثاً، تقليص دور الصراعات بالوكالة التي حولت العديد من دول المنطقة إلى ساحات تنافس خارجي.
رابعاً، إعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي لأنهما أكثر استدامة من التنافس العسكري.
خامساً، الانتقال من مفهوم “الأمن ضد الآخر” إلى مفهوم “الأمن مع الآخر”، حيث يصبح استقرار الجوار عنصراً من عناصر الأمن الوطني لكل دولة.
إن المشروع الإيراني والمشروع الإسرائيلي ليسا مجرد تعبيرين عن خلاف سياسي عابر، بل يمثلان رؤيتين استراتيجيتين متنافستين لمستقبل الشرق الأوسط. وتسعى كل منهما إلى تأمين مصالحها وتعظيم نفوذها ضمن بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. غير أن استمرار منطق الصراع الصفري يجعل المنطقة تدور في حلقة مستمرة من الأزمات. ومن ثم فإن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق عبر انتصار أحد المشروعين بالكامل، بل عبر بناء توازن إقليمي مستدام يستوعب المصالح المتعارضة ويحول المنافسة من المجال العسكري الي المجال السياسي والاقتصادي.