أحمد عبد الرؤوف
في ظل التقلّبات السياسية والحروب المتعددة الأوجه، التي يعيشها العالم اليوم، وما يرافقها من ظهور أيديولوجيات كثيرة في الوقت الذي يكون المثقّف والأديب أصحاب الأيادي الطولى بقيادة المجتمعات، تبرز أسئلة مثيرة للاهتمام ومنها من المعني بالتغيير الفكري لدى الشعوب؟ الأدب أم السلطة؟
الأدب والسّياسة
تتّصف المجتمعات التي شهدت حضاراتها تقدّماً ملموساً بريادة أبنائها من المثقفين والشعراء والكتّاب حتى أصبحوا في الصفوف الأولى بقيادة مجتمعاتهم، ليكونوا مؤثّرين ومتأثّرين بمحيطهم وجميع السياسيين والقادة، وبذلك يتحوّل الأدب موجّهاً رشيقاً ومستمراً للحركة الفكرية في البلاد، وتتعزّز هذه الحالة عبر التاريخ في المجتمعات الأكثر انفتاحاً وتقدّماً في جميع المجالات، وعندما يكون الأديب والمثقّف يمثّل فئات الشعب المسحوقة حين يصوّر آلامهم وآمالهم بشكل دقيق، يستطيع بذلك الفلاح وصاحب المهنة والصانع والتاجر أن يتصدر إدارة البلاد دونما أن يكون موجوداً بشكل فعلي، وبه ينتظم المجتمع ضمن حالة صحيّة متكاملة
السّلطة والوعي الفكري
أمّا عندما يتشكّل الوعي الفكري والثقافي لدى الفرد وفق مناهج مدروسة تتجهز في أروقة الساسة، الذين جاؤوا من خلفيات مختلفة تقوم على أساس القوة والتفرد بالسلطة، وتنصاع إليهم قياد الأمور شيئاً فشيئاً حتى تتشكل منظومة سياسية وأمنية كاملة تكتب للمثقفين والأدباء ما يقولون، ثم يبلغ بها الأمر فيما بعد أن تنتج حالة ثقافية تقوم على التمجيد للسلطة بعيوبها وفسادها وتفردها بالأمر حتى لا يجد الأديب والمثقف الحر مكاناً لقلمه في هذا المجتمع ينتهي به المطاف إلى أن نتنج السلطة شعبها بمثقفيه وفلاحيه وعماله واقتصاده، وعليه تتحول الثقافة لنتاج طبيعي للسياسة، ولا يعدو دور المفكرين فكرة أن يصنعوا مستبدّيهم، وهم على رغم من ذلك والأمثلة جمّة فيما تكشّف للشعوب خلال العقود الثلاثة الأخيرة، خاصة بعد انتشار مواقع التواصل الافتراضي بشكل واسع وقدرة الأفراد على اختلاف ثقافاتهم وتحصيلهم الدراسي وأعمارهم على الوصول إلى المعلومة بشكل مباشر.
إنتاج السياسة في سوريا
تعيش شعوب الشرق الأوسط حالة من التفريغ الثقافي المتعمد بما ينسجم مع النموذج الثاني الذي تكلمنا عنه، وربما أن سوريا خلال أكثر من خمسة عقود تحوّلت بكل طاقاتها الثقافية والعلمية والاقتصادية والمجتمعية إلى منظومة تخدم السلطة وتتماشى مع رغباتها وسياساتها حتى أصبح شعبها لا يدري ماذا يصنع بزوالها حين عمد نظام البعث البائد إلى تقلّد مفاصل الحكم فيها، لتكون بغيره على ما فيه من فساد وظلم وتهميش بلا كيان يحفظ وجودها، وتصبح في حال سقوطه تركة ثقيلة لا تستطيع النهوض بنفسها حين اعتاد الشعب فيها الحياة التي رُسمت له لا الحياة، التي يسعى لرسمها وصناعتها بما يتناسب مع طموحه وتطلعاته بالحرية والعدالة التي تحفظ حقوق مكوناته دون تمييز، وفي تلخيص الحالة الفكرية التي تكرّست خلال العقود الماضية في سوريا نستطيع أن نصنّفها ضمن النموذج الذي يعتمد على إنتاج السياسة للثقافة والفكر.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه سوريا بعد تجربة مريرة خاضها شعبها على مدار أكثر من خمسين عاماً، وخلال ثورة امتدت خمسة عشر عاماً لبناء شراكة وطنية حقيقية ترتكز على عقول المفكرين والمثقفين من النخبة تدخل سوريا الجديدة بمنعطف خطير يخشى فيه مراقبون من إعادة إنتاج الاستبداد بصور جديدة وأنماط مختلفة، وهنا ينبغي أن يتقدم صنّاع الإدارة من أبناء البلاد الذين يمتلكون مجامع الفكر والثقافة لتكون السياسة بنتهما الجميلة التي تنهض بالبلاد وتجنّبها التجارب السابقة، وإن كان السبيل إلى ذلك محفوفاً بالتعب والتضحيات الجسام التي يمتلك أسبابها أبناء الشعب السوري.