جل آغا/ أمل محمد – مع حلول فصل الربيع وارتفاع إنتاج الحليب في مناطق روج آفا، يبدأ أهالي ريف جل آغا موسم صناعة الجبنة البلدية الذي يعد من أبرز المواسم التراثية والاقتصادية في المنطقة، حيث تتحول العديد من المنازل والقرى إلى ورش عمل صغيرة، تعتمد على الخبرات المتوارثة في إنتاج الأجبان والألبان التقليدية، مستفيدة من وفرة الحليب الناتجة عن تحسن المراعي وزيادة إنتاج الأغنام والماعز، ويبدأ موسم صناعة الجبن عادةً مع ذروة إنتاج الحليب خلال الربيع، حيث يحرص الأهالي على إعداد مؤونة تكفي لأشهر طويلة من العام.
تبدأ عملية تحضير الجبن بجمع الحليب الطازج، قبل إضافة المنفحة الطبيعية لتخثيره، ثم تصفية الجبن وحفظه بطرق مختلفة بحسب نوعه والغرض من استخدامه، وتشتهر المنطقة بإنتاج الجبنة البيضاء البلدية إلى جانب أصناف أخرى تُحفظ بالملح أو تُضاف إليها الأعشاب والنكهات المحلية، ما يمنحها مذاقاً مميزاً يحافظ على مكانتها في المطبخ المحلي.
مهنة موسمية ومصدر رزق
والمواطنة “فاطمة عيسو” التي تمتلك عدداً من رؤوس الماشية، تعتمد عليها في صناعة الجبن، تحدثت لصحيفتنا “روناهي” بعد زيارتنا لمنزلها في قرية سي كركا في ريف جل آغا: “يشكل موسم الجبنة البلدية مصدراً هاماً للدخل، إذ تُعرض المنتجات في الأسواق المحلية وتلقى إقبالاً واسعاً من الأهالي الباحثين عن المنتجات الطبيعية التقليدية، كما تسهم هذه الصناعة في تعزيز الاقتصاد الريفي وتوفير فرص عمل موسمية للنساء اللواتي يلعبن دوراً أساسياً في مختلف مراحل الإنتاج”.
وأكدت، أن عدداً كبيراً من العائلات في منطقة آليان تعتمد على صناعة الجبن كمصدر رزق: “أحياناً قليلة أبيع الجبن، ويعتمد ذلك على كمية الحليب التي أحصل عليها من أغنامي”.
وحسب “فاطمة”، لا يقتصر موسم الجبنة البلدية على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمثل جزءاً من الهوية الثقافية والاجتماعية لسكان المنطقة، حيث تتناقل العائلات طرق التصنيع التقليدية جيلاً بعد جيل، حفاظاً على إرث غذائي عريق يعكس ارتباط الإنسان بأرضه ومواسمه الزراعية والرعوية.
بين التراث والاكتفاء الذاتي
وتابعت فاطمة: “أعتمد بشكل أساسي على حليب أغنامي في صناعة الجبنة البلدية، وهي مهنة اعتدت عليها منذ سنوات طويلة، وأحرص على ممارستها مع حلول موسم إنتاج الحليب من كل عام”.
وأوضحت، أنها تبدأ يومها بجمع الحليب الطازج، ومن ثم الشروع في مراحل التصنيع التقليدية داخل منزلها، معتمدةً على الخبرة التي اكتسبتها عبر السنين.
وأشارت، إلى أنها تفضل إعداد الجبنة بنفسها لما تتميز به من جودة وطعم طبيعي، مؤكدةً، أن صناعة الجبن البلدي أصبحت جزءاً من عادتها السنوي وتراثاً تحرص على المحافظة عليه ونقله إلى الأجيال القادمة.
ولفتت “فاطمة”، إلى أن أسعار الجبنة البلدية شهدت ارتفاعاً ملحوظاً هذا الموسم، موضحةً، أن كيلوغرام جبنة الأغنام يُباع بنحو 35 ألف ليرة سورية، في حين يصل سعر كيلوغرام جبنة الأبقار إلى 40 ألف ليرة سورية.
وأكدت، أن هذه الأسعار تعد مرتفعة لشريحة واسعة من الأهالي، الأمر الذي يحد من قدرتهم على شراء الكميات، التي كانوا يعتادون عليها في السنوات السابقة، رغم الإقبال المستمر على الجبنة البلدية لما تتمتع به من جودة وقيمة غذائية عالية.
وبينت فاطمة، أنها تنتج سنوياً ما بين (40ـ50) كيلوغراماً من الجبنة البلدية، وذلك حسب كمية الحليب التي توفرها أغنامها خلال الموسم: “وفرة الأمطار هذا العام انعكست إيجابياً على المراعي الطبيعية، ما ساهم في تحسن تغذية الأغنام وزيادة إنتاجها من الحليب مقارنة ببعض السنوات السابقة، وساعدني هذا الأمر على إنتاج كمياتٍ جيدة من الجبن”، معربةً، عن أملها في استمرار المواسم الممطرة لما لها من أثر مباشر على الثروة الحيوانية وجودة الإنتاج.
وأضافت: “إنها لا تقتصر على صناعة الجبنة البلدية فحسب، بل تستفيد من منتجات الحليب في إعداد أصناف أخرى من المؤن التقليدية التي تشتهر بها المنطقة، فهي تقوم بصناعة اللبنة والزبدة البلدية إلى جانب “السيرك”، الذي يعد من المنتجات الغذائية المحببة لدى الأهالي، حيث يتم تحضيره وفق طرق تقليدية وإضافة الثوم البلدي إليه ليمنحه نكهة مميزة”.
وفي الختام، ترى “فاطمة عيسو”، أن هذه المنتجات تشكل جزءًا أساسياً من المائدة الريفية، كما تساعد الأسر على تأمين احتياجاتها الغذائية والاستفادة من فائض إنتاج الحليب خلال الموسم.