هناك لحظات تبقى محفورة في ذاكرة الشعوب مهما مرَّ عليها الزمن، ولحظات أخرى تتحول إلى أحلامٍ مؤجلة تنتظر من يحققها. وبالنسبة لكرة القدم العراقية، ظلت المشاركة في كأس العالم 1986 بالمكسيك ذكرى لا تغيب عن الأذهان، رغم مرور أربعة عقود كاملة عليها. وبينما تعاقبت الأجيال وتغيرت الظروف وتبدلت الوجوه، بقي حلم العودة إلى أكبر مسرح كروي في العالم يراود العراقيين عامًا بعد عام.
واليوم، وبعد رحلة طويلة وشاقة امتدت عبر القارة الآسيوية وخارجها، يعود منتخب العراق إلى نهائيات كأس العالم 2026، ليضع حدًا لواحد من أطول فترات الغياب في تاريخ المنتخبات التي سبق لها المشاركة في البطولة العالمية. إنها عودة لا تحمل فقط طموحات المنافسة، بل تمثل فرصة لصناعة تاريخ جديد ومحو ذكريات الإخفاقات السابقة.
المكسيك.. البداية والنهاية ونقطة الانطلاق الجديدة
ستظل المكسيك محطة استثنائية في تاريخ الكرة العراقية، ففي صيف عام 1986 سجل فرناندو كويرارتي هدفًا أنهى مشاركة العراق الأولى في نهائيات كأس العالم، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من المحاولات غير المكتملة والفرص الضائعة.
وبعد أربعين عامًا تقريبًا، كانت الأراضي المكسيكية أيضًا شاهدةً على لحظة ميلاد الحلم الجديد، ففي مدينة مونتيري شمال شرق المكسيك نجح منتخب العراق في حجز بطاقة التأهل إلى كأس العالم 2026 عبر الملحق العالمي، ليعود “أسود الرافدين” إلى الساحة الدولية من البوابة نفسها التي غادروها منها قبل عقود.
وخلال السنوات الماضية، حقق العراق العديد من النجاحات على المستويين الآسيوي والأولمبي، إلا أن الطريق إلى كأس العالم ظلَّ عصيًا في كل مرة. لكن؛ الجيل الحالي بقيادة نجومه البارزين، وفي مقدمتهم أمير العماري وأيمن حسين، تمكن أخيرًا من إعادة المنتخب إلى المكان الذي غاب عنه طويلًا، فاتحًا الباب أمام فرصة تاريخية لتجاوز إرث جيل 1986 الذي ضمَّ أسماءً خالدة مثل أحمد راضي وحسين سعيد.
جراهام أرنولد.. قائد مشروع العودة
ويقود المنتخب العراقي في هذه المغامرة المدرب الأسترالي جراهام أرنولد، أحد أبرز المدربين في القارة الآسيوية خلال السنوات الأخيرة. وبعد مسيرة طويلة مع المنتخب الأسترالي قاد خلالها “الكنغر” في 72 مباراة دولية، أصبح أرنولد على أعتاب إنجاز فريد يتمثل في قيادة منتخبين مختلفين من القارة نفسها في نهائيات كأس العالم.
وكان المدرب البالغ من العمر 62 عامًا قد حقق نجاحًا لافتًا في كأس العالم 2022 بقطر، عندما قاد أستراليا إلى دور الـ16 للمرة الثانية فقط في تاريخها. وبعد أشهر قليلة من رحيله عن منصبه، تولى مهمة تدريب العراق خلفًا للإسباني خيسوس كاساس.
ومنذ وصوله، نجح أرنولد في إعادة الثقة إلى المنتخب العراقي وإنعاش آماله في التصفيات، ليصبح على موعد مع كتابة اسمه في تاريخ الكرة العراقية باعتباره ثاني مدرب يقود المنتخب في كأس العالم بعد البرازيلي إيفاريستو.
رحلة شاقة نحو المونديال
لم يكن الوصول إلى كأس العالم 2026 أمرًا سهلًا بالنسبة للعراق، فقد خاض المنتخب رحلة طويلة امتدت عبر 21 مباراة رسمية، تنقّل خلالها بين مدن عديدة مثل البصرة وهانوي ومانيلا وجاكرتا والكويت وسيول ومسقط وعمان وجدة وأبوظبي، قبل أن ينتهي المطاف في مونتيري المكسيكية.
بدأ العراق التصفيات بصورة مثالية، محققًا ستة انتصارات متتالية منحته بطاقة العبور إلى المرحلة التالية بسهولة وثقة كبيرة، لكن الطريق لم يخلُ من العقبات، إذ فقد المنتخب نقاطًا مهمة خلال الدور الثالث من التصفيات، ما أدى إلى رحيل المدرب خيسوس كاساس عن منصبه.
وبفارق نقطة واحدة فقط، تبخّر حلم التأهل المباشر، واضطر العراق لخوض الدور الرابع من التصفيات في مجموعة تنافسية للغاية. وهناك تعادل سلبيًا أمام السعودية صاحبة الأرض، قبل أن يحقق فوزًا مهمًا على إندونيسيا بهدف دون رد، لكنه أخفق في خطف بطاقة التأهل بسبب فارق الأهداف المسجلة. وفي الدور الخامس، بلغت الإثارة ذروتها، فخلال مواجهة عصيبة أمام الإمارات العربية المتحدة، سجل أمير العماري ركلة جزاء قاتلة في الدقيقة السابعة عشرة من الوقت المحتسب بدل الضائع، ليمنح العراق بطاقة العبور إلى الملحق العالمي وسط فرحة عارمة.
وفي المباراة الحاسمة، أثبت “أسود الرافدين” أنهم يستحقون مكانهم بين كبار العالم، بعدما تغلبوا على بوليفيا بنتيجة 2-1 بفضل هدفي علي الحمادي وأيمن حسين، ليحسموا التأهل ويعلنوا عودتهم الرسمية إلى كأس العالم بعد أربعين عامًا من الغياب.
مجموعة صعبة وطموحات كبيرة
أسفرت قرعة كأس العالم 2026 عن وقوع العراق في مجموعة قوية تضم فرنسا والنرويج والسنغال، وهي واحدة من أكثر المجموعات تنافسًا في البطولة. ويبدأ المنتخب العراقي مشواره بمواجهة النرويج يوم 16 حزيران على استاد بوسطن، في مباراة قد تكون مفتاح المنافسة على إحدى بطاقات التأهل.
وبعد ذلك، ينتظره اختبار بالغ الصعوبة أمام فرنسا يوم 22 حزيران الجاري على استاد فيلادلفيا، قبل أن يختتم مرحلة المجموعات بمواجهة السنغال يوم 26 حزيران على استاد تورونتو. ورغم صعوبة المهمة، فإن المنتخب العراقي يدخل البطولة بطموحاتٍ كبيرة، مستفيدًا من الخبرات التي اكتسبها لاعبوه خلال السنوات الأخيرة في مختلف البطولات القارية والدولية.
استعادة ذكريات 1986
يعود العراق إلى كأس العالم للمرة الثانية فقط في تاريخه، بعد ظهوره الأول في نسخة المكسيك 1986، وكان التأهل إلى تلك النسخة قد تحقق بعد التغلب على سوريا بنتيجة إجمالية بلغت 3-1 في أواخر عام 1985، ليصبح العراق آنذاك سادس منتخب عربي يبلغ النهائيات العالمية.
وفي المباراة الأولى أمام باراغواي بمدينة تولوكا، قدم المنتخب العراقي أداءً مشرّفًا رغم الخسارة بهدف دون رد، واقترب كل من خليل علاوي وحسين سعيد من التسجيل، لكن الحظ لم يكن إلى جانب “أسود الرافدين”. وزادت المعاناة بعد إصابة النجم حسين سعيد، الذي اضطر لمغادرة البطولة مبكرًا.
وفي المباراة الثانية أمام بلجيكا، تمكّن أحمد راضي من تسجيل الهدف الوحيد في تاريخ العراق بكأس العالم، بعدما استغل تمريرةً رائعةً من ناطق هاشم وسدد الكرة بقوة داخل الشباك البلجيكية. ورغم خسارة اللقاء بنتيجة 2-1، بقي ذلك الهدف لحظةً تاريخيةً لا تُنسى في ذاكرة الكرة العراقية.
أما المباراة الثالثة والأخيرة فجاءت أمام أصحاب الأرض المكسيك، حيث حسم هدف فرناندو كويرارتي المواجهة لصالح المنتخب المضيف، لتنتهي المشاركة العراقية بثلاث هزائم متتالية. لكن؛ الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة، فرغم الظروف الصعبة والتحضيرات المضطربة، أظهر المنتخب العراقي آنذاك شخصية قوية وأداءً محترمًا أمام منافسين كبار، وهو ما جعل تلك المشاركة تحتفظ بمكانة خاصة في وجدان الجماهير العراقية.
أصحاب الأرقام الخالدة
شهدت نسخة 1986 مشاركة سبعة لاعبين في جميع مباريات العراق الثلاث بالبطولة. وضمّت تلك المجموعة أسماء صنعت جزءًا مهمًا من تاريخ الكرة العراقية.
ومع مرور السنوات، رحل عدد من نجوم ذلك الجيل عن عالمنا، ومن بينهم أحمد راضي، وناظم شاكر، وعلي حسين شهاب، وناطق هاشم، تاركين إرثًا كبيرًا في ذاكرة الجماهير. أما خليل علاوي وغانم عريبي ورحيم حميد، فهم اللاعبون الوحيدون الذين ما زالوا على قيد الحياة من بين الذين شاركوا في جميع مباريات العراق بالمونديال.
ويبقى أحمد راضي صاحب الإنجاز الأبرز، إذ لا يزال اللاعب العراقي الوحيد الذي سجل هدفًا في نهائيات كأس العالم، وهو الرقم الذي يتطلع نجوم الجيل الحالي، وفي مقدمتهم أيمن حسين ومهند علي، إلى تجاوزه خلال النسخة المقبلة.
فرصة لصناعة تاريخ جديد
بعد أربعين عامًا من الغياب، لا يدخل العراق كأس العالم 2026 باعتباره مجرد مشارك يسعى لاكتساب الخبرة، بل كمنتخبٍ يحمل طموحات كبيرة ورغبة حقيقية في تحقيق إنجاز تاريخي.
لقد تغيرت كرة القدم العراقية كثيرًا منذ أيام المكسيك 1986، وظهر جيل جديد يمتلك الموهبة والطموح والخبرة الدولية. ومع قيادة فنية متمرسة، ودعم جماهيري هائل، تبدو الفرصة متاحة أمام “أسود الرافدين” لكتابة فصل جديد أكثر إشراقًا في سجلهم الكروي.
وبين ذكريات الماضي وآمال الحاضر، يقف العراق اليوم على أعتاب مغامرة جديدة في أمريكا الشمالية، ساعيًا إلى تحويل حلم العودة إلى قصة نجاح تبقى في الذاكرة لعقود قادمة، تمامًا كما بقيت ذكرى المكسيك حيّةً في قلوب العراقيين طوال أربعين عامًا.