ومن هنا فنحن أمام نوعَين من التّفكير الرّاهن: التّفكير الرّاهن المستجيب، والتّفكير الرّاهن الفعّال.
1-التّفكير الرّاهن المستجيب: وهو تفكير استهلاكيّ بنسبته العظمى أكثر منه إنتاجيّ، إذ يشكو صاحبه دائماً من غياب الشّروط، هذا الغياب الذي يحول دون تحقيقه النّجاح، بمعنى أنّ صاحب هذا النّوع من التّفكير، القائم على فلسفة (الطّفل الرّضيع)، شخصٌ اتّكاليّ إلى حدّ اللّوم، فهو دائم البكاء والشّكوى، فضلاً عن أنّ تفكيراً كهذا يعزّز ثقافة الهجرة والهروب.
إنّه تفكيرٌ ناتجٌ عن ثقافة التّفكير العام للمجتمع، أو البيئة المحيطة، والمتمثّلة في السّلوكيّات والممارسات الهادفة إلى نشر هكذا مفهوم؛ ليبقى الفكر على إثره استهلاكيّاً أكثر منه إنتاجيّاً، علماً أنّ هذا لا يعني اتّهاماً مني للمجتمع بالكسل، بل أقرّ بأنّه يبذل جهداً لا مثيل له ليؤمّن أدنى سبل العيش، ولكن هناك فرق كبير بين أن تكون نشطاً في العمل، وأن تكون نشطاً ومفكراً في الإنتاج وتطوير العمل نفسه.
فأغلب فئات المجتمع عمليّة ولكنّها تفتقد في الوقت نفسه فلسفة العلم لذلك العمل، ويمكن القول إنّ المجتمع متأقلم أكثر من أن يكون متكيّفاً، وهذا أشبه بالانصهار والانحلال مع الظّروف الرّاهنة حتّى صيّرت جزءاً من حياته، وعضواً من جسده.
والتّفكير الرّاهن المستجيب، هو المسبّب لإضعاف القدرة الفكريّة للمحتوى الفكريّ، وقد تعمّق تأثيره حتّى امتدّ إلى المحتوى نفسه.
وهذا يدفع بنا إلى استنتاج مفاده: “التّفكير الرّاهن المستجيب هو (آفة المحتوى الفكريّ)”.
الخلاصة: نحن لا نخالف هكذا نوع من التّفكير في بعض الحالات، ولكنّنا نخشى القبول به، فالخضوع له، وهذا ما نرفضه إطلاقاً.
2-التّفكير الرّاهن الفعّال: أغلب المجتمعات التي حقّقت قفزة نوعيّة في عمليّة الانتقال نحو الأفضل كانت نتيجة طريقتها المتميّزة من الجودة العامّة للفكر والتّفكير.
ولعلّ من المهمّ التّنويه إلى أنّ الفكر له حياته الخاصّة، والتي تستدعي التّحصين من الخضوع للتّأثيرات الحياتيّة والمعيشيّة العامّة. فنحن أمام نوعَين من الحياة: حياة الفكر، وحياة الجهد: المقصود بالأولى الكون الذي يستطيع عبره الفكرُ التّجوّلَ متحرّراً من قيود الجهد التي تفرضها تداعيات الواقع، أمّا حياة الجهد، فهي النّشاط الذي يقوم به الفرد موظّفاً الفكر للمضي فيه والحفاظ عليه مبذلاً الجهد لتسيير أمور حياته اليوميّة. بمعنى أنّ هناك فصلاً وربطاً في آنٍ واحدٍ من دون أن تكون إحدى الحياتَين أسيرة الأخرى.
ويسمّى الفكر الذي يجول في فضاء حياته بالجهد، بيد أنّه يختلف عن حياة الجهد اليوميّة والرّوتينيّة، والفارق بينهما يبدو جليّاً، فإن أنت لم تجعل فكرك وقلبك يتنفسان، لن تستطيع الإنتاج؛ وحركتك ستكون بطيئة، وغير مجدية، وبتنفسهما، تدركْ كم أنت قادر على فعل أشياء كثيرة كنت متغافلاً عنها بسبب انشغالك بإرضاء قدرتك الجهديّة في عالم الرّكض والسّعي فقط! إنّ فلسفة العلم هي جزءٌ من فلسفة الحياة، فهما مرتبطان بمدى استطاعتك في استكشافها بوساطة التّفكير الرّاهن الفعّال. فالمعطيات الإبداعية كافّة، فضلاً عن الانتقالات نحو الأفضل هي جلّ اهتمام هذا التّفكير، وهو يتعامل مع كلّ ذلك من باب الاستمتاع والرّفاهية، والتّنبّؤ بأنّ هناك الأفضل، والتّفاؤل بالقادم الأجمل، فهو فكر بحثيّ وإنتاجيّ، مهما كانت الظّروف والوقائع، والمتنفس الذي تُستمدّ منه عظمة القدرة الفكرية، وعمق الإيمان بتجلّيه في ذلك الإنسان المفكّر الشّجاع.
ولهذا فهو يعشق الأجواء المزدحمة بذلك التّنافس ليقدّم الحلول للضّجيج المتراكم في أدمغتنا، والمؤثّر في حركتنا الفكريّة وإبداعاتها نتيجة استيلاء الطّفل الرّضيع على مفاصل حياتنا.
وبالمختصر: التّفكير الرّاهن الفعّال هو (مفتاح الإنجاز).
الخلاصة: المقصود بالتّنفّس، آنف الذّكر، انبعاث الفاعليّة على الرّغم من تفشّي التّلوّث الفكريّ، ثمّ إنتاج أوكسجين جديد.