قامشلو/ علي خضير – في قلب السوق العتيق، يجلس الرجل السبعيني “شمعون عيسى” خلف طاولته الخشبية الصغيرة، تحيط به “أسلاك النحاس، مفكات البراغي، ومحرّكات صغيرة”، وبنظرته المليئة بالخبرة وحكمته التي صقلتها الأيام، كرّس نصف قرن من حياته لإصلاح الأجهزة الكهربائية.
لم تكن مهنة العم “شمعون عيسى” مجرد مصدر للرزق، بل رحلة يومية للحفاظ على الأشياء من الاندثار، وإعادة النبض للأدوات التي ترافق أصحابها في حياتهم.
أساس النجاح الاتقان
وخلال لقاء مع صحيفتنا “روناهي”، تحدث السبيعي “شمعون عيسى”: “اعتدت هذه المهنة وأحببتها منذ ممارستي لها منذ 46 عاماً، حتى أصبحت جزءاً مني”.
بدأ “عيسى” رحلته في مقتبل شبابه، حيث كان يفكك الأجهزة المعقدة ليعيد تركيبها، حاملاً شغفاً لا ينتهي بمعرفة كيف تعمل الأشياء، ورث حبه لهذه الصنعة وتوارث أسرارها، وعلّمها للكثير من شباب الحي لضمان استمرار هذه الحرفة، مبيناً: “حبّ المهنة سبيل النجاح في إتقانها”.
ورغم كبر سنه ومتاعب الحياة، لم يفكر يوماً في التقاعد أو الراحة، فمحله الصغير يعد ملجأ راحته، ويرى في إصلاح جهاز تالف سبباً ليوم جديد مليء بالنشاط والإنتاج، هؤلاء الأشخاص هم شريان الحياة، حيث يمثلون الصبر، الأمانة، والمهارة التي لا تُقدَّر بثمن.
ويعمل العم “عيسى”، منذ الثمانيات بتصليح الأدوات الكهربائية، أبرزها لف محرّكات بالأسلاك النحاسية: “تعلمت المهنة منذ الصغر، وبسبب حاجتي للعمل لتأمين لقمة العيش لعائلتي، ذهبت أجوب الأسواق بحثاً عن عملٍ ليكون مصدر رزق لي ولأهلي، فلفت نظري رجل ستّيني يعمل بهذه المهنة، وملأ قلبي حبّها والإرادة في تعلّمها”.
وأردف: “اخترت هذه المهنة لأنني تتوّقت لها وأحببتها، ذهبت حينها إلى ذلك الرجل وعرضت عليه أن أعمل صانعاً معه (مساعد)، ولحسن حظّي لم يتردّد في القبول، وبدأت العمل على يده، ولشدّة حبّي لهذه المهنة لم أترك شيئاً يغيب عن عيني أو ذهني، كنت أراقب طريقة العمل بشكل دقيق، فنجحت أخيراً في تعلّم هذه المهنة وإتقانها”.
الإصرار على الاستمرار
وأوضح “عيسى”، أنّه بالرغم من ضعف بصره وارتعاش يديه الخفيفة، إلا إنه يمتلك حدساً كهربائياً يجعله يكتشف الأعطال بمجرد شم رائحة احتراق داخله، ورغم توفر الأجهزة الحديثة التي تُستبدل ولا تُصلح، إلا إنَّ الناس كانوا يقصدونه من كل حدب وصوب، ثقةً منهم بأمانته ومهارته النادرة في إعادة الروح لأجهزتهم العزيزة.
ولم تكن هذه المهنة مجرد مصدر للرزق، بل كانت وسيلة للبقاء على قيد الحياة والإنتاج، كان يقول دائماً لجيرانه: “التقاعد هو الموت السريري للعقل والجسد، فما دامت يداي قادرتان على العطاء، سأستمر بتصليح الأجهزة الكهربائية”.
فمهنة العم “عيسى” وعمله يختص بـ (لف محرّكات كهربائية، وشفاط ماء، ومراوح، وغطاسات، ومحركات ماكينات خياطة) وبشكل تقريبي المحرّكات التي تحتوي على ملف نحاسي.
كما تطرّق “عيسى” لذكر الفرق في الحياة بين الماضي والحاضر: “كانت الحياة في الثمانيات بسيطة والناس بسطاء، وكانوا يتقبّلون الأعطال بسبب توفّر فرص العمل وسبل المعيشة، أمّا الآن هناك صعوبة في العيش وأغلب الناس ليسوا كما السابق، حيث لاحظت في هذه السنوات الأخيرة عجز الناس عن دفع تكاليف التصليح، وأنا بدوري أقدّر ظروفهم وصعوبة توفير أجرة التصليح، وأقتضي من الأجرة ما لا يعرّضني للخسارة فقط”.
فيما تحدّث عن صعوبات العمل: “العوائق والصعوبات، التي أواجهها ليست شخصية، بل تتوقّف على غلاء المواد بسبب ارتفاع أسعار صرف الدولار، كـ (أسلاك النحاس وبعض القطع الكهربائية)، وهذا بدوره يؤثّر على ارتفاع تكاليف التصليح ويثقل كاهل المواطنين، ويدفعهم لعدم إصلاح الأجهزة إلّا للضرورة القصوى، فحركة العمل ليست كما السابق”.
واختتم “شمعون عيسى” حديثه: “نتمنّى لو يتم دعم الحرف الصغيرة على الأقل، من أجل تخفيف العبء عن المواطنين بشكل خاص، وتشجيع أصحاب هذه المهن على الاستمرار بها”.