جوان عبدال
الإبداع كحالة تأتي من موهبة خصتها الطبيعة بشخص ما، وهذه الموهبة تكون بذرة توجب الرعاية والاهتمام، بالمثاقفة أو التمرين والتدريب، واحتمالات الصح والخطأ، وهذه الموهبة لا تكفي لأن تأخذ دورها في ذات المرء هكذا، بل يلزمها من يأخذ بيدها، وحين نعني بالموهبة نقول إنها خصلة أو رغبة تجتاح الذات وتسيّرها لأن يكون المرء بهذا الشكل أو ذاك.
الموهبة ثيمة فطرية، وهي عادة تسبق الإبداع رغم أن بينهما خيط رفيع، فالموهبة جامدة؛ والذي يكشفها ويظهرها هو الإبداع في أشكاله المتعددة، وحين نعني الإبداع نستحضر الدافع، وما المحرض، وماهية الرغبة، ولأجل ماذا.. أسئلة حرى تتوالد باستمرار.
عادة يأتي الإبداع من شيء يكون في شكله الأولي خاما، يأتي كالصنعة أو إنتاج شيء غير مكرر، ويجب أولا الإقرار بان الموهبة موجودة والإبداع يريد أن يخرج للملأ “ولو بالرغم منا” كي ينمو ويزهّر.
وله مسببات عدة، تهجس بها النفس ثم تنسغ إلى الذات، تأتي من نظرة الوجود، من منظومة المجتمع، من مجموعة الأفكار والانفعالات المكبوتة الناتجة من الخيبات المتكررة، من الرغبات والصراعات ذات الشحنات الوجدانية الذاتية، تريد تملكا، تريد أجوبة، تريد أن تعبّر عن ذاتها وهذه اللاشعورية اللاإرادية تتحول إلى نوع من التفكير والمصير وتطبع سلوك المرء بطابع الحاجة والإبداع، فيصبح كل همه وكل مجاله تفكيره وعمله هذا.
ولو سألنا عن الدافع إلى ذلك لما أجاب أحد عن توصيف الموهبة شيئا، إلا وكأن المرء واقع في المتاهة، تحت سلطة ما تسيّره، لأن ليس لديه جواب شاف، وتتضارب الميول والرغبات في نفسه حينها تلجمه عن الإتيان برد مقنع جامع، فلحاجة في النفس البشرية، للتفرد والأنا، لخير البشر وعمل “الحاجة أم الاختراع” وغيرها كثير، والأسباب كثيرة ومتنوعة يعمل الإنسان فكره ليستنبط جديدا.
فالإبداع ليس مرتبطا بشيء معين، فهو نشاط فرداني ذاتي، وهو مظهر من مظاهره، فكل عمل أجاد فيه مؤديه يكون إبداعا، لأنه يضيف شيئا جديدا مميزا له يتصف بالقيمة والمنفعة والفائدة، ويظهر هذا جليا في المجالات الأدبية والفنية والعلمية وكذلك العملية أيضا. وقد تتبع تلك الفردانية لهذا الشخص أو ذاك، فكما أن البصمات لا تتشابه لدى الأفراد والأشخاص كذلك هو الإبداع. ولكن قد يكون ثمة تناص، أو تمثل أو ثمة استنتاجات تقود إلى نتيجة واحدة، فتوارد الخواطر والاهتمامات واردة وقد تؤدي إلى نهايات متشابهة. ولكن؛ ليس بالضرورة أن تكون متطابقة حصرا. إنما هناك اختلاف وإلا لعدّ سرقة واحتيالا. ولأن الإبداع لا يلتزم بقواعد ومقومات، فإنه يكون على سجيته يخرج كالنبع في أي لحظة كانت، فهو لا يحتاج إلى عناية بالنظم، ولا يتقيد بحدود، لأنه يعبّر عن أصالة الشعور والانفعالات والأفكار والرؤى وهي في حميتها، تعبر عن التمايز والهوية. لأن يقدم شيئا يتصف بالقيمة والفائدة كما قيل أعلاه. أما ما وراء الدافع: فهل هو الاختلاف، أو التفرد وإثبات الوجود، أو اللعب والتلهي، أو استجلاب المتعة والسعادة وادعاء الخير والفضيلة؟ وهو الخير العام والنافع للشأن العام، وهو القدرة على الإحساس والإدراك المخفي من الأشياء بنظرة خيرة، لواجب أخلاقي أن يعمل شيئا يكون به منتجا وليس سلبيا مستهلكا، ويعبّر عن نفسه بأداء التزامات معينة يختارها هو وتتناسب مع ميوله ورغباته، مع أن الفرد يبدأ بممارستها بوعي وقناعة على أنها أمور تستجيب لمصالحه وتوكيد شخصيته ووجوده، وإن كان لتأديتها تتطلب جهودا مضنية.. إلا أنه يحقق ذاته.
وللعودة كما هو؛ فأي طريقة يحبذ لاستلهام شيء ما، هو الأحسن وهو الأصوب؟، فثمة أساليب وأشكال للشيء الواحد، ليس بالضرورة أن تكون نماذج الاستدلال والاستقراء والاستنباط والاستنتاج واحدة متشابهة، قد تكون متوازية وقد تكون متقاطعة، ولكن لا يجب أن تكون متكررة، وإنما القول بأن “لا جديد تحت الشمس” صحيح، ولكن المطروح والمطروق يختلف من زاوية إلى أخرى، من نظرة إلى أخرى، من النظرة إلى نقطة معينة، وإلا لعدّ الشيء ذو طعم واحد ولون واحد وشكل واحد. إنما ما يعطيه الألق هو الاختلاف في التناول والمنفعة المرجوة.
وهكذا نجد إن كثيرا من المؤلفات ـ أكانت أشعارا أم قصصا أم روايات ـ أو أي عمل كان، وليس بالضرورة إني أعني الأدب – تتشابه في بنيويتها، في عرضها ونهايتها، ولكن هناك اختلاف في جزيئات متعددة وإلا لما عدّ إبداعا، فكلنا نقول الحب ونكتب عنه، وكلٌ يعبر بطريقة تتقاطع مفرداتها مع ما يقوله الآخرون، هذه الكلمة التي تتألف من حرفين، وكلّ يقولها بطرق شتى وبتعبير يختلف جذريا عن الآخر وهذا هو النسق الصحيح من الإبداع والاستلهام له. إذاً الاستلهام يلزمه أن يتثقف المرء وأن يطّلع، ومن ثم يبدأ البحث له عن موطئ قدم تحت الشمس بأنه مر من هنا، كثيرون أتوا وكالعشب نموا ويبسوا، وأن يمتلك المعني قوة الملاحظة وقراءة ما بين السطور ووضع النقاط على الحروف، من أن تنسَّغ على أساس الحدس والتوكيد والإقرار، بحيث تعطي عطاءات عظيمة ذات قيمة وفائدة وتؤثر في الناس لندرتها وقلتها. وهذا يعني إعمال الفكر في غير المألوف، والدخول إلى أماكن لم تتأهل، وإيجاد الثغرات ليدخل منها إليها، والتوصل إلى معطيات لها سمة مغايرة، ولكن بطريقة أخرى وبشكل آخر مبتكر، يطرحه كشيء جديد، وهو كمون -خلفية كامنة ومخزون موروثات سابقة-.
وأنا أسوق هنا مثالا عن الأدب يكون فيه معنىً، لأن المتعارف عليه إن الإبداع يظهر فيه جليا، ويرى هنا أكثر، أكثر من المجالات الأخرى له، وممارسوه موسومون به، ولكن لا ننسى المحيط والبيئة قط، فأقول: الإنسان عبيد ما رأى وما تربى عليه وما قرأ.. نحن أسرى محيطنا وقديمنا ـ تراثنا-، أسرى ما يعرفه هؤلاء جمعيا جيدا وإلا لعد شواذا وشطحا، أو شيئا عاديا تافها ممجوجا، فالإبداع لا يأتي لوحده إن لم يكن من قدوة، من فعل سابق، لأنه لا يتكون من ذاته إلا وله سبق، الإبداع يكمل بعضه ويرتقى به مكررا مغايرا، أي يتم تناسله من بعضه. وبكلمة أخيرة: الإبداع إتقان ثانٍ بعد هضم الحالة الأولى للشيء المبْدع، ومن شروطه البحث عما لم يقل ولم يبحث ولم يكن…
في بداية مقالي وحتى النهاية استعملت كلمة “الإبداع”، وكان يشير في ذهني إلى الأدب حصرا، أما في الأعمال الأخرى فيحبذ ويفضل استعمال لفظ: الابتكار. وهو مرادف عملي للمعنى.