على أنغام “الرقصة الأخيرة”، يستعد ليونيل ميسي لكتابة الفصل الختامي من مسيرته الدولية في مونديال أمريكا 2026، فبعد أن رفع كأس العالم في قطر 2022 وحرر عنقه من عقدة اللقب الأغلى، يعود قائد الأرجنتين إلى المسرح العالمي للمرة السادسة، هذه المرة بلا ضغوط وبلا حسابات.. إلا حسابًا واحدًا: أن تسعفه قدماه ولا تخذله الإصابة.
لم تكن رحلة ميسي نحو كأس العالم مفروشة بالورود، فعلى مدى سنوات طويلة حمل على كتفيه إرثًا ثقيلًا من الإخفاقات الدولية، بدءًا من خسارة نهائي مونديال 2014 أمام ألمانيا في البرازيل، مرورًا بثلاث نهائيات متتالية في كوبا أمريكا أعوام 2007 و2015 و2016. تلك الهزائم حوّلت ميسي، نجم وقائد إنتر ميامي الأمريكي، من بطلٍ قومي في الأرجنتين إلى هدف للانتقادات، حتى وصل الأمر بإعلانه الاعتزال الدولي مؤقتًا عام 2016. لكن؛ العودة كانت مختلفة، مع ليونيل سكالوني، وُلد منتخب أرجنتيني جديد يؤمن بقائده، وتُوّج ذلك بكوبا أمريكا 2021 في قلب الماراكانا.. ثم جاءت ليلة 18 كانون الأول 2022 في استاد لوسيل، حيث كتب ميسي التاريخ. سجل هدفين في النهائي أمام فرنسا، وقاد الأرجنتين للفوز بركلات الترجيح بعد مباراة درامية انتهت 3-3.
في قطر، لم يكن ميسي مجرد هداف برصيد سبعة أهداف.. كان القائد والملهم وصانع اللحظات الحاسمة، حصل على جائزة أفضل لاعب في البطولة للمرة الثانية، ليصبح أول لاعب يحققها مرتين. هناك، في الدوحة، انتهت المعاناة وبدأ الخلود.
الرقصة الأخيرة.. مونديال 2026 بلا وداع معلّق
أعلن ميسي بوضوحٍ إن كأس العالم 2026 في أمريكا وكندا والمكسيك ستكون محطته الأخيرة في البطولات الكبرى مع المنتخب؛ حيث سيبلغ من العمر 39 عامًا خلال البطولة، وهو رقم لم يمنعه من مواصلة العطاء، لكنه يدرك أن الجسد له حدود.
“الرقصة الأخيرة” التي يمكن الإشارة إليها هنا فيما يخص النجم الأرجنتيني ليست مجرد تعبير مجازي، بل وعد قطعه البرغوث على نفسه بأن يودّع القميص الأزرق والأبيض على أكبر مسرح.
الاختلاف الجوهري هذه المرة أنه يدخل البطولة كبطل متوج، لا كحالم يطارد سرابًا، في 2022 كان كل شيء على المحك: إرثه، مقارناته مع مارادونا، وحلم شعب بأكمله، وفي 2026 الصفحة طويت واللقب في الخزانة، هذا يمنحه حرية نفسية لم يعرفها طوال 20 عامًا من اللعب الدولي. الاتحاد الأرجنتيني والجهاز الفني يتعاملون مع البطولة باعتبارها “تكريمًا حيًا” لميسي، الخطة لا تقوم على تحميله عبء المباريات السبعة كاملة، بل على إدارة مشاركته بذكاء لضمان حضوره في اللحظات الحاسمة، الهدف أن يستمتع، وأن يستمتع العالم معه للمرة الأخيرة.
اللعب بلا ضغوط.. رفاهية الأبطال
ميسي 2026 هو النسخة الأكثر تحررًا من ميسي الذي عرفناه. لم يعد مطالبًا بالرد على المشككين، ولا بإثبات أفضليته على أحد، حقق كل ما يمكن للاعب أن يحلم به: كأس العالم، كوبا أمريكا مرتين، فيناليسيما، الميدالية الذهبية الأولمبية، 8 كرات ذهبية، وأكثر من 40 لقبًا جماعيًا، السجل مغلق وما سيأتي هو مجرد إضافة للأسطورة.
هذا التحرر ينعكس على أسلوب لعبه؛ فمع إنتر ميامي أصبح يميل أكثر للمتعة وصناعة اللعب بدلًا من الركض المرهق، ومع الأرجنتين تحوّل دوره إلى “المايسترو” الذي يضبط الإيقاع ويمنح اللمسة الأخيرة، تاركًا مهمة الضغط والركض للاعبين الشباب مثل جوليان ألفاريز وإنزو فيرنانديز.
المدرب ليونيل سكالوني وصف الأمر بدقة: “ليو الآن يلعب بسعادة، الضغط الذي كان يقتله في 2014 و2018 لم يعد موجودًا، هو يعرف أنه فعل كل شيء”.. هذا الهدوء الذهني قد يكون سلاح الأرجنتين الأخطر، ميسي بلا ضغوط هو ميسي الذي لا يمكن توقعه، يمرر من حيث لا يمر أحد، ويسجل من زوايا مستحيلة.
العائق الوحيد.. الإصابة تُهدد الخاتمة المثالية
إذا كان هناك ما يُقلق ميسي وجماهير الأرجنتين، فهو الجسد الذي بدأ يطلب الراحة؛ موسم 2025 ـ 2026 شهد عدة إنذارات بدنية، أبرزها خروجه من مباراة إنتر ميامي أمام فيلادلفيا يونيون وهو يمسك بالعضلة الخلفية لساقه اليسرى، وقد أعادت الصورة إلى الأذهان كوابيس 2013 و2015 حين حرمته الإصابات من الاستمرارية.
وفي سن الـ39، يصبح التعافي أبطأ والإرهاق أسرع. كل تدخّل قوي، كل أرضية سيئة، كل رحلة طيران طويلة، تمثل خطرًا على “الرقصة الأخيرة”.. لذلك وضع الجهاز الطبي للمنتخب الأرجنتيني بروتوكول “الحماية القصوى”: تدريبات فردية خاصة، تقليص الدقائق في المباريات غير الحاسمة، وفريق طبي يرافقه حتى في إجازاته.
ويدرك ميسي نفسه ذلك، حيث صرّح في أكثر من مناسبة: “أريد الوصول إلى كأس العالم بحالة جيدة، هذا هو هدفي الوحيد الآن”.
الأرجنتين كلها تترقب، الحلم أن يُنهي البطولة واقفًا على قدميه، رافعًا رأسه لا متكئًا على عكازين، لأن أسطورة مثل ميسي تستحق خاتمة تليق بها على العشب لا في غرفة العلاج.
الصافرة الأخيرة.. ماذا بعد 2026؟
بغض النظر عن النتيجة التي ستسفر عنها مشاركة الأرجنتين في 2026، فإن تأثير ميسي تجاوز حدود البطولات، إنه الرجل الذي أعاد تعريف الانتماء، فبعد سنوات من العلاقة المتوترة مع الجماهير، أصبح أيقونةً وطنية وحدت بلدًا كاملًا خلف حلم واحد، يأتي جيل كامل من الأطفال في الأرجنتين كبروا وهم يرونه يرفع الكأس، لا يبكي بعد خسارة نهائي.
على المستوى الفني، ترك ميسي إرثًا تكتيكيًا. أثبت أن الموهبة يمكن أن تعيش حتى نهاية الثلاثينات إذا أُحيطت بالاحترام والإدارة الذكية، وقد أعاد تعريف دور “رقم 10” ليصبح صانع لعب متأخر، وغيّر نظرة المدربين للنجوم المخضرمين، حيث بنى سكالوني منتخبًا كاملًا ليخدم ميسي، فخدم ميسي المنتخب بالتتويج.
“الرقصة الأخيرة” لن تكون وداعًا حزينًا، ستكون احتفالًا عالميًا بمسيرة رجل حوّل المستحيل إلى واقع، وحمل آمال أمة على كتفيه حتى أوصلها إلى القمة، عندما يغادر ميسي المونديال للمرة الأخيرة، لن يغادر كرة القدم.. سيبقى اسمه معيارًا، صورته في كل ملعب، وقميصه رقم 10 قصة تُروى للأجيال، لقد فعلها وأنهى الجدل.