أحمد عبد الرؤوف
تعتبر القراءة مادّةً فكريةً أساسيةً في بناء القدرات الثقافية لدى جميع الشعوب، حتى صار تقدّم الحضارات جميعها يرتبط بمدى نسبة عدد القرّاء فيها وقدرتهم على مواكبة التطور الثقافي بمجال العلم والأدب والفكر والفلسفة وغيرها، وإن اصطدمت القراءة بصورة عامّة بالتطور التكنولوجي الهائل الذي أدّى بقدر المنفعة التي قدّمها للعالم أجمع إلى تراجع نسبة القراءة لدى شريحة واسعة، الأمر الذي انعكس سلباً على أسلوب تلقّي الثقافة وتخزينها في الذاكرة والإفادة منها بالشكل الأمثل.
القراءة خلال الأزمة السوريّة
شهدت الحركة الأدبية في مقاطعة الجزيرة منعطفات كثيرةً على مدار العقود الماضية، ولاسيما خلال سنوات الأزمة السورية التي أدّت بطبيعة الحال إلى تعرية كافّة الأجناس الأدبية، من خلال وضعها على المحك، وغربلة أفكارها وخضوعها للموازنة عند جمهورها، فاستطاعت تارةً أن تكون صوت الشعب وأوجاعه وانتصاراته وهزائمه، وأخفقت أحياناً أخرى في أن تلبّي حاجة القارئ وأن تكون سبيله إلى ذاته المسحوقة تحت وطأة الفقر والتهميش والحرب والنزوح، الأمر الذي جعل صفة التذبذب سائدة على الحالة الأدبية؛ وبالتالي أدّى ذلك كله إلى تراجع الذائقة عند القرّاء وانصرافهم إلى حدٍ كبير عن القراءة والبحث عن سبل أخرى ربما تمثّلت بوسائل التواصل الافتراضي بصورتها التي تعتمد على الصورة والحركة أكثر منها على القراءة العميقة.
في هذا السياق؛ أشار عضو اتحاد المثقفين في مدينة الحسكة “محمد طه قاسم” إلى إن القراءة المستمرّة هي سبيل صاحبها إلى فضاءاته المطلقة، وهي اللّبنة الأولى في تكوين الذات الإنسانية وتوجيهها لتكون ما تريد، مؤكداً إن حديقة القراءة في مدينة الحسكة مازالت تسعى بكل طاقتها لتكون ملاذاً آمناً لكل من يؤمن أن الحرف يبني عوالم الحضارة والطموح في نفس الإنسان”، وتابع إن الأزمات الإنسانية خلال الحروب تخلق الفوضى في المجتمع، الأمر الذي يؤدي إلى تصدع الحالة الثقافية والعزوف عن الكتاب، والمادة التي تُكتب ولا تجد قارئاً تستحيل جسداً بلا روح، وهذا ما شهدته الحالة الثقافية بمشهدها العام خلال الأعوام العجاف التي شهدتها سوريا عموماً في الفترة الماضية.
أدب المرحلة
ورغم التّصدّع الثقافي الذي يرافق كل الحروب عبر التاريخ، لم يكن الأديب والمثقّف صامتاً ومعزولاً عن محيطه الاجتماعي، بل ربما شكّلت هذه الحالة لديه مادّة إبداعيةً مكثّفة استطاعت تصوير الواقع بالشعر والقصة والمسرحية والرواية لتنتج المرحلة أدباً جديداً عايش الواقع واكتوى بجحيمه ليصوّر الانكسارات والخيبات وآلام الأمهات، فتكون البلاد ممزّقة في أدبه، ويكون الأدب مزدهراً بتمزّقه، مفارقة صنعت حالة جديدة للكتابة استطاعت أن تجذب القارئ الذي لم يعد يجد في أدب الحب والغزل والمديح ما يصبو إليه، فأصبح بذلك الأديب مطواعاً لمتطلّبات المرحلة التي يعيشها مجتمعه، وهنا يؤكد عضو اتحاد المثقفين “محمد طه قاسم” إن هذا التحول فرض واقعاً أدبياً جديداً على مستوى المادة المقروءة، فأصبحت المكتبات تحتاج لكتبٍ جديدة تتناسب مع الجيل الجديد الذي عايش تفاصيلاً لا تنتمي إلى ذاكرة الترف الأدبي والثقافي بالوسائل التقليدية المعروفة نفسها.
وسائل التواصل والقراءة
وفي سياق وسائل انتشار المادّة الأدبية يضيف “محمد طه قاسم” إن الطباعة وحدها لم تعد مجدية للإقبال على القراءة، وكان لابد لاستخدام الوسائل الحديثة سبيلاً إليها، لأنها استطاعت اختصار الوقت والمال والبحث، وبذات الوقت أفقدت القرّاء متعة البحث عن ضالّتهم الأدبية، مما أدى إلى تغيير الصورة النمطية للقراءة والتي كانت تعتمد على المنتديات الثقافية والمكتبات الضخمة والنوادي الأدبية، وهذا يأخذنا إلى ضرورة هندسة القراءة بما لا يقطع الوصل بين القارئ والكتاب، وفي الوقت نفسه؛ لا يصرف ذلك عن مواكبة التطور الخاص بوسائل نقل الأدب بكافة أشكاله وإيصاله إلى أكبر عدد ممكن من القرّاء، منوّهاً إلى إن وسائل التواصل اليوم أصبحت تعجُّ بالغث والسمين من المواد الأدبية الكثيرة، وعليه؛ فإن مكانة وجودة الأدب تراجعت بشكل كبير حيث أن كل من يرغب بالكتابة يجد متّسعاً رحباً في ظل توفّر الوسيلة دون وجود قيمة حقيقية للمادة التي يكتبها، ودون وجود ضوابط ثابتة للفوضى الأدبية العارمة التي تنتجها الوسائل المتاحة للجميع، فضلاً عن استغناء القرّاء عن قراءة النصوص في وسائل التواصل مع انتشار وسائل “الفيديو” ووجود الذكاء الاصطناعي الذي أصبح يفكر ويكتب ويقرأ أيضاً بدلاً عن صاحبه، ليكون هذا التطور العلمي الكبير في مكان ما وبالاً على عطاء القريحة البشرية وتذويباً متعمّداً للحالة الإبداعية، وعليه تراجعت القراءة بشكل كبير.
وفي ختام حديثه دعا عضو اتحاد المثقفين في مدينة الحسكة “محمد طه قاسم” إلى ضرورة توعية الشباب بمخاطر الابتعاد عن الحالة الفطرية للنفس البشرية القائمة على الجهد بالبحث عن المعلومة والمادة التي تغني الفكر وتطرب الروح من خلال القراءة، وتوفير جو نقي ومفيد لجميع رواد الكتاب، وتكثيف اللقاءات الأدبية التي من شأنها الارتقاء بالحالة الإبداعية التي تجذب الجمهور وتُغني ذاكرته بالثمين من الأدب والعلم، وتصرفه عن كل ما يؤدي إلى الهدر والضياع، مشدّداً على ضرورة أن يمتلك القارئ القدرة على التمييز بين ما يغني وما يفسد، وبالتالي الحفاظ على الإرث الثقافي وتطويره ليبقى شاهداً على التاريخ وصرحاً ثابتاً للأجيال القادمة.