“وسيضمحل الإنسان مثل وجه من الرمل رُسم على حافة البحر”. بهذه العبارة الشاعرية والمربكة، ختم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو كتابه الشهير “الكلمات والأشياء”، لم تكن هذه الجملة مجرد تشبيه أدبي، بل كانت إعلاناً لمفهوم فلسفي عميق زلزل أركان الفكر المعاصر وهو مفهوم: “موت الإنسان”. ولكن ماذا كان يقصد فوكو بهذا الموت؟ وهل كان يتحدث عن نهاية بيولوجية للجنس البشري؟
لفهم هذا المفهوم، يجب أن ندرك أن فوكو لا يتحدث عن الإنسان ككائنٍ حي (Homo sapiens)، بل يتحدث عن “الإنسان” كـ مفهوم معرفي ومركز فلسفي. وفقاً للقراءة الجينالوجية (التاريخية – المعرفية) التي قدمها فوكو، فإن صورة “الإنسان” باعتباره الذات العاقلة، الفاعلة، الحرة، وصانعة التاريخ والمعرفة، ليست حقيقة أزلية رافقت البشرية منذ فجرها. بل على العكس تماماً، يرى فوكو إن هذا “الإنسان” هو اختراع حديث جداً، لم يظهر في الفكر الغربي إلا في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر.
بالاستناد إلى فوكو، في العصور السابقة (العصر الكلاسيكي أو عصر النهضة)، كان الاهتمام ينصب على “النظام” أو “الإله” أو “الخطاب” ذاته، ولم يكن الإنسان موضوعاً للدراسة أو مركزاً للكون المعرفي. ولكن؛ مع تشكل أنظمة معرفية جديدة (إبستيميات) تخص علوم الحياة، والاقتصاد، واللغة، تم وضع الإنسان في بؤرة الاهتمام؛ أصبح هو الذات العارفة (التي تدرس وتكتشف) وهو في الوقت نفسه الموضوع المدروس.
إلا أن التحليل البنيوي الذي مارسه فوكو أظهر هشاشة هذا المركز. يرى فوكو أنه مع التطورات المعاصرة في التحليل النفسي (الذي كشف سيطرة اللاوعي)، واللسانيات (التي كشفت سيطرة بنى اللغة)، والأنثروبولوجيا، بدأت هذه الصورة المتضخمة للذات الإنسانية بالتصدع. لم يعد الإنسان هو من يبني اللغة ويفكر بها، بل اللغة هي نظام يفرض قوانينه عليه؛ ولم يعد الفرد هو من يصنع المؤسسات، بل هي التي تصنع ذاتيته وتؤدبه.
إذن، “موت الإنسان” عند فوكو هو إعلان عن نهاية حقبة النزعة الإنسانية (Humanism) التي جعلت من الفرد إلهاً صغيراً يتحكم في الطبيعة والتاريخ. إنه الكشف عن أن وعينا وقراراتنا وأفكارنا ليست من ابتكارنا الخالص، بل هي إفرازات لشبكات معقدة من الخطابات، والسلطة، وأنظمة المعرفة اللاواعية. وعندما يتغير هذا النسق المعرفي الذي اخترع “الإنسان”، فإن هذا الوجه المرسوم على رمال المعرفة سيُمحى ببساطة بقدوم الموجة التالية من التاريخ.