قبل عامٍ كامل، وقف الشارع الكردي في سوريا أمام مشهدٍ بدا وكأنه لحظة تاريخية طال انتظارها. لقاءات سياسية، صور جماعية، بيانات تحمل عبارات “وحدة الصف الكردي”، ووعود بأن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة عن سنوات التشرذم والصراع الحزبي الذي استنزف القضية الكردية وأضعف حضورها أمام التحولات الكبرى التي تضرب سوريا والمنطقة.
في تلك الأيام، لم يكن المواطن الكردي يبحث عن المعجزات، بل كان يريد شيئًا واحدًا فقط: أن يرى السياسي الكردي يتحدث بلغة الشعب لا بلغة المصالح، وأن تتحول القضية القومية من شعارٍ موسمي إلى مشروع وطني حقيقي يحفظ كرامة الناس وحقوقهم وهويتهم. لكن؛ بعد مرور عام، تبدلت الصورة بشكلٍ مؤلم. فالحلم الذي رُوّج له باعتباره “بداية مرحلة جديدة” بدا للكثيرين مجرد هدنة إعلامية مؤقتة، سرعان ما انهارت أمام أول اختبار للمصالح الشخصية والحسابات الضيقة.
الشارع الكردي اليوم لا يعيش خيبة سياسية عادية، بل يعيش صدمة أخلاقية وفكرية تجاه طبقة من السياسيين رفعت لعقود شعارات القومية والوحدة، ثم انكشف أن أقصى طموحات بعضهم لا تتجاوز مقعدًا شكليًا أو منصبًا بروتوكوليًا داخل برلمان سوري لا يملك أصلًا القرار الحقيقي.
لقد أدرك كثير من الناس أن بعض الخطابات التي كانت تُلقى باسم “القضية الكردية” لم تكن سوى استثمار طويل الأمد في عواطف الجماهير. فحين اقتربت لحظة الاختبار الحقيقي، اختفت لغة المبادئ، وظهرت لغة الصفقات والتوازنات والمكاسب الفردية. وهنا بدأ السؤال الأخطر يتردد في الشارع الكردي: هل كانت وحدة الصف مجرد غطاء سياسي مؤقت؟ أم أن بعض القوى لم تؤمن بها أصلًا، وكانت تنتظر اللحظة المناسبة للعودة إلى سياسة الانقسام؟ فهل عاد محمد منصورا ليتصدر النقاشات والاتهامات، باعتباره أحد الوجوه التي يراها قسم من الشارع مسؤولة عن إعادة إنتاج حالة الانقسام والتشكيك المتبادل بين الأطراف الكردية.
هناك من يرى أن ما يحدث اليوم ليس خلافًا سياسيًا طبيعيًا، بل عملية منظمة لتفريغ المشروع القومي من مضمونه، وتحويله إلى ساحة تنافس على النفوذ والتمثيل الرمزي. فبدل أن تكون الأحزاب أدوات لخدمة القضية، أصبحت القضية نفسها أحيانًا وسيلة لخدمة الأحزاب. المؤلم في الأمر أن المواطن البسيط لم يعد قادرًا على التمييز بين من يدافع فعلًا عن حقوق الكرد، ومن يستخدم هذه الحقوق كورقة تفاوض لتحسين موقعه السياسي. فالجميع يرفع الشعارات ذاتها، لكن النتائج على الأرض تكشف تناقضًا صارخًا بين الخطاب والممارسة.
لقد تعب الناس من اللغة الخشبية التي تتحدث عن “المصير المشترك” بينما الواقع مليء بالتخوين والإقصاء والانقسامات الشخصية. وتعبوا أكثر من السياسي الذي يهاجم خصومه باسم الوطنية، ثم يجلس معهم لاحقًا على طاولة المصالح ذاتها.
القضية الكردية في سوريا لم تكن يومًا قضية مناصب، بل قضية شعبٍ حُرم طويلًا من أبسط حقوقه الثقافية والسياسية والإنسانية. لكن؛ حين تتحول هذه القضية إلى سباق على التمثيل الشكلي، فإنها تفقد تدريجيًا روحها الشعبية، وتتحول إلى ملف سياسي بارد لا يشبه معاناة الناس. ولهذا؛ فإن حالة الغضب الحالية في الشارع الكردي ليست مجرد رد فعل على فشل تفاهم سياسي، بل هي تعبير عن شعور أعمق بالخداع. خداع الوعود الكبيرة التي لم تتحقق، وخداع الخطابات التي بدت ثورية بينما كانت تخفي خلفها حسابات ضيقة. وربما المشكلة الأخطر ليست في سقوط مشروع “وحدة الصف” بحد ذاته، بل في تآكل الثقة العامة؛ لأن الشعوب تستطيع تحمل الهزائم السياسية، لكنها بصعوبة تستعيد ثقتها حين تشعر أن من تحدث باسمها لم يكن صادقًا معها. ومع ذلك، فإن اختزال الأزمة بشخص واحد أو تيار واحد قد يكون تبسيطًا مخلًا للواقع. فالأزمة الكردية في سوريا أعمق من الأسماء، وأكبر من الخلافات الفردية. إنها أزمة بنية سياسية كاملة لم تنجح حتى اليوم في بناء مشروع قومي جامع يتجاوز الولاءات الحزبية الضيقة. إن أي مشروع كردي حقيقي لن ينجح طالما بقي قائمًا على تقديس الأشخاص بدل بناء المؤسسات، وطالما بقيت لغة التخوين أقوى من لغة الحوار، والمصلحة الحزبية أعلى من المصلحة القومية.
لقد كشف العام الماضي حقيقة مؤلمة:
أن بعض الشعارات التي بدت لسنوات مقدسة، كانت أضعف من أول اختبار سياسي حقيقي. لكن؛ رغم كل هذا الإحباط، لا تزال هناك فرصة. فالشارع الكردي اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى، وأكثر قدرة على التمييز بين من يحمل القضية كإيمان، ومن يحملها كوظيفة سياسية مؤقتة. ربما سقطت الأقنعة فعلًا، وربما خرجت الشعارات الوهمية إلى العلن، لكن سقوط الوهم قد يكون أحيانًا بداية الطريق نحو وعيٍ جديد، وولادة مشروع أكثر صدقًا وصلابة؛ لأن القضايا القومية لا تموت بخيانة السياسيين، بل تموت فقط حين يفقد الشعب إيمانه بنفسه.