في ورشةٍ فنية، تنبض حكاية شاهماران بالحياة من جديد كرمزٍ للحكمة والجمال، وذلك على يد الفنانة “جيهان عبد الغفور”، حيث تكتسب الألوان وتتحول إلى جزءٍ من فنّ روج آفا، كما تعبّر أعمالها الفنية إلى مناطق أخرى من سوريا، بل وتصل إلى العالم أيضاً. تنحدر “جيهان عبد الغفور” ذات الـ (37 عاماً) من مدينة الحسكة، ومنذ طفولتها وهي شغوفة بالأعمال والحِرف اليدوية.
شغف الزخرفة والفنون اليدوية
وبدأ اهتمام “جيهان” بالفنون اليدوية منذ دخولها المدرسة الابتدائية، حيث لفت هذا الفن انتباهها وأحبّته كثيراً، لذلك رغبت في تعلّمه، ومن خلال المعاهد الفنية وبدعم أساتذة الفن، تعلّمت العديد من أساليب الزخرفة والأعمال اليدوية، وهي تصنع أعمالاً فنيةً جميلةً من “الورق، والحديد، والنحاس، والسيراميك، والعجين، والقش، والصوف، والخشب”، وحتى من المواد القديمة المعاد تدويرها.
وازداد شغف “جيهان” بفن الزخرفة وصناعة الأعمال الفنية باستمرار، لذلك وبعد إنهائها الدراسة الثانوية التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وأنهت دراستها فيه بتفوقٍ ودرجاتٍ عالية. وبعد تخرّجها من معهد الفنون، أقامت العديد من المعارض الفنية، وشاركت في العديد من المهرجانات، كما حصلت على العديد من الجوائز والتكريمات.
وتعمل “جيهان” مع أحد أصدقائها الفنانين في ورشة بمدينة قامشلو، وتلفت ورشتهما الانتباه بأعمالها الفنية الملونة والمختلفة، داخل الورشة يقومان بصنع لوحات ونقوش على الخشب والحجر، كما توجد أقمشة مزينة بالدانتيل والخرز والريش، كذلك يصنعان الأساور والأقراط والخواتم، وإلى جانب الأعمال اليدوية، تمارس جيهان أيضاً فنّ النحت. ومن بين جميع أعمالها، فإن الفن الذي أكسبها شهرةً واسعةً وجذب الانتباه بشكلٍ أكبر هو لوحات شاهماران.
وفي روج آفا يوجد العديد من الفنانين الذين يرسمون لوحات “شاهماران”، لكن أعمال “جيهان”، تختلف من حيث الأسلوب والطريقة، فهي تنقش صورة شاهمارّان على الجِصِّ، وأحياناً تستخدم الورق والخرز أو الأوراق الملوّنة والأصداف في تشكيل اللوحات، وأحياناً تصنعها من القمح، هذا الاختلاف والإبداع في أسلوبها جعل الكثير من الناس يزورون ورشتها.
قدّمت جيهان لأول مرة لوحتها الخاصة بشاهماران، في معرض فنون روج آفا، وكان قياسها 100 سم طولاً و80 سم عرضاً، وقد لاقت اللوحة التي جمعت العديد من التقنيات الفنية مثل “الليزر والخرز والأوراق والزيت والألوان الزاهية” صدىً واسعاً وإعجاباً كبيراً، وبناءً على ذلك حصلت على جائزة في المهرجان، وبعدها توجه الكثير من الناس إلى ورشتها لاقتناء اللوحة.
وأوضحت “جيهان” بأنها أنجزت عدداً كبيراً من لوحات شاهماران، وقالت لوكالة أنباء هاوار: “أرغب دائماً في ابتكار أعمال فنية جديدة، وفي الوقت نفسه أقوم بصنع اللوحات حسب طلب الناس، فهناك من يطلب لوحات صغيرة، وآخرون يفضلون الكبيرة أو المتوسطة، بعضهم يريدها بالخرز، وآخرون يفضلون أن تكون بتقنية الليزر”.
وأشارت، إلى إن هناك العديد من الفنانين في روج آفا الذين يصنعون لوحات لشاهماران، وأضافت: “البعض يرسم صورتها على القماش، وآخرون يصنعون تماثيل أو أعمال نحتية، وغيرهم يشتغلون بالزخرفة، لكنني أحاول أن أجمع كل هذه الفنون في لوحةٍ واحدة”.
وبحسب جيهان، فإن شاهماران ليست مجرد لوحة فنية، بل هي رمز للثقافة والمرأة والقصص القديمة التي تعود للحياة من خلال اللون والفن، وقالت جيهان: “إن كل لوحة للشاهمارّان ليست مجرد عمل فني، بل قصة ومشاعر ورسالة تحمل معنى أعمق”.
وفي روج آفا وخارجها، عندما يُذكر اسم شاهماران، يتذكر الكثيرون مباشرةً جيهان وفنّها، وخلال الساعتين الأخيرتين من زيارتنا لورشتها مع صديقها، قدّم أربعة أشخاص طلبات للحصول على لوحات شاهماران، ورغبوا في تقديمها كهدية لأصدقائهم خارج روج آفا.
أسطورة شاهماران
وتعدُّ أسطورة “شاهماران” حكايةً قديمةً ورمزاً للمعرفة والأنوثة، يُقال إن الشاهماران كانت نصف إنسان ونصف أفعى، وكانت تعيش تحت الأرض مع الثعابين وتمتلك معرفة عظيمة، ووفقاً للأسطورة، وصل شخص يُدعى جمشاب بالصدفة إلى مكانها، وبعد فترة كشف سرّها، وفي النهاية، ضحّت شاهماران بنفسها من أجل صحة وحياة البشر، لذلك ما زالت حتى اليوم تُعتبر في العديد من الثقافات رمزاً للتضحية والمعرفة وقوة المرأة.