قامشلو/ جوان محمد ـ عادت قضية سيدات نادي الهلال لكرة القدم إلى واجهة المشهد الرياضي والإعلامي بعد أيام من الجدل الواسع الذي أثارته اللاعبات إثر نشرهن نداءً علنياً عبر صفحاتهن الشخصية على مواقع التواصل الافتراضي، عبّرن فيه عن استيائهن من الواقع الذي يمر به الفريق، وما وصفنه بالتهميش وتجاهل حقوقهن، رغم النجاحات والإنجازات التي حققنها خلال السنوات الماضية.
القضية التي سرعان ما تحولت إلى حديث الشارع الرياضي، دفعت الجهات المعنية إلى التدخّل، حيث عُقد اجتماع جمع لاعبات من الفريق والكادرين الفني والإداري مع معاون قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة محمود خليل (سيامند عفرين)، جرى خلاله بحث الإشكاليات والخلافات القائمة بين إدارة نادي الهلال وفريق السيدات، وسط وعود بحل الأزمة، وإعادة الحقوق، ومحاسبة كل من تثبت إساءته للاعبات.
نداءٌ علني كشف حجم الاحتقان
وكانت لاعبات فريق سيدات الهلال قد نشرنَ بياناً، وجّهن خلاله نداءً إلى القيادات في قوى الأمن الداخلي، ووحدات حماية المرأة، وقوات سوريا الديمقراطية، والإدارة الذاتية، والحركات النسائية، مطالبات بالتدخّل لوضع حد لما وصفنه بحالة التضييق والتهميش التي تعرضنَ لها.
وأكدت اللاعبات في بيانهن إن الألقاب التي حققها الفريق خلال السنوات الماضية لم تكن محض صدفة، بل جاءت نتيجة جهود جماعية كبيرة بذلتها اللاعبات والكادران الفني والإداري، مشيرات إلى إن الفريق نجح في نقل صورة وهوية المنطقة إلى الخارج، وأثبت قدرة المرأة الكردية والسورية على تحقيق الإنجازات في المجال الرياضي.
كما أوضحت اللاعبات إنهن كنَّ يستعدن لتمثيل المنطقة بأفضل صورة في بطولة غرب آسيا للأندية، رغم الضغوط التي قلنَ إنهن تعرضن لها من إدارة النادي، مؤكدات إنهن واصلنَ العمل ونجحنَ في التتويج بلقبي دوري السيدات والناشئات.
من التضامن إلى الأزمة
وبحسب ما ورد في نداء اللاعبات، فإن جذور الأزمة تعود إلى موقف اتخذته اللاعبات، وفي مقدمتهن اللاعبة آية محمد، الداعي إلى إلغاء مظاهر الاحتفال تضامناً مع أهالي الشهداء والأسرى، وهو ما اعتبرنه موقفاً إنسانياً يعكس أخلاق الرياضة واحترام مشاعر العائلات. إلا أن اللاعبات أكدنَ إن هذا الموقف قوبِل، بحسب وصفهن، بالإقصاء وحرمان بطلات الدوري من بعض الحقوق والمستحقات، من قبل إدارة النادي، وصولاً إلى الحديث عن إبعاد الفريق من مهمة تمثيل المنطقة في بطولة غرب آسيا، والتواصل مع لاعبات أخريات للقيام بالمهمة ذاتها.
واتهمت اللاعبات إدارة النادي بالتعامل مع رياضة المرأة بمنطق لا ينسجم مع حجم الإنجازات المتحققة، مؤكدات إن «رياضة المرأة ليست وسيلة للشهرة والمصالح»، وإن اللاعبات يستحقنَّ الاحترام والتقدير لا التهميش والإقصاء.
جدل واسع وصمت إداري
وعقب نشر النداء، ضجّت مواقع التواصل الافتراضي والوسائل الإعلامية داخل روج آفا وخارجها بالقضية، وسط موجة تضامن واسعة مع اللاعبات وانتقادات لإدارة النادي بسبب طريقة تعاملها مع الأزمة.
في المقابل، التزمت إدارة نادي الهلال الصمت لمدة يومين، قبل أن يظهر رئيس النادي محمود عموكة عبر إحدى الصفحات الإعلامية نافياً كثيراً مما تحدثت عنه اللاعبات، ومؤكداً إن الإدارة لم تُقصّر تجاه الفريق.
غير إن تصريحات رئيس النادي لم تُنهِ حالة الجدل وكانت واضحة التناقض، وخاصةً في ظلِّ تساؤلات أُثيرت داخل الأوساط الرياضية بشأن آلية اتخاذ قرار تدعيم الفريق بلاعباتٍ أخريات للمشاركة الخارجية، إذ يرى مقربون من الفريق إن مثل هذا القرار يفترض أن يتم بالتنسيق مع الكادرين الفني والإداري، لا عبر الاعتماد على أشخاص من خارج المنظومة الفنية للفريق أو التواصل مع لاعبات من خارج روج آفا دون العودة إلى الجهات المُشرفة على فريق السيدات.
كما برزت تساؤلات أخرى تتعلق بالمستحقات المالية، في ظل استمرار شكوى اللاعبات من تأخر صرف بعض حقوقهن، في وقتٍ أشار فيه رئيس النادي نفسه إلى حصول لاعبات من خارج روج آفا على مستحقاتهن المالية؛ ما زاد من حدة الانتقادات داخل الأوساط الداعمة للفريق.
وبحسب روايات نقلتها اللاعبات، فإن نقطة التحول الأبرز في الأزمة جاءت عقب قرار الفريق عدم إقامة الاحتفالات تضامناً مع عوائل الشهداء والأسرى في روج آفا، إذ تحدثن عن مواقفٍ وصفنها بالسلبية صدرت عن رئيس النادي في تلك الفترة، معتبرات إنها ساهمت بشكلٍ كبير في تعقيد الخلاف وتفاقم الأزمة منذ بدايتها.
اجتماع وتعهدات باحتواء الأزمة
وبالتزامن مع تصاعد الجدل، عُقد اجتماع للاعبات الفريق وكواد فنية وإدارية مع القيادي محمود خليل سيامند عفرين، جرى خلاله الاستماع الكامل إلى مطالب اللاعبات، والتأكيد على ضرورة معالجة القضية.
ووفقاً لبيان أصدرته اللاعبات لاحقاً، فقد تم الاتفاق على البدء بالتحضيرات الخاصة بمهمة غرب آسيا للأندية، والعمل على تأمين معسكرات تدريبية مناسبة، وصرف كامل المستحقات المادية، وتوفير الأجواء اللازمة لإنجاح المهمة الرياضية. كما تضمّن الاجتماع وعوداً واضحةً بمحاسبة كل شخص تثبت إساءته لأي لاعبة أو لأي فرد من الكوادر الفنية والإدارية لفريق السيدات، مع التشديد على أن دور المرأة دور ريادي ومحل احترام وتقدير، وأن أي تجاوز بحق اللاعبات أو الكوادر النسائية أمر غير مقبول.
وأشير في البيان إلى أن الانشغال بملف الأسرى والعمل على عودة مهجري عفرين إلى ديارهم أسهما في حدوث تأخر بمعالجة القضية في وقتها، وأنه تم التأكيد على رفض أي تجاوز أو إساءة بحق أي لاعبة أو أي فرد من فريق السيدات، والتعامل بجدية مع أي انتهاكات مشابهة.
وختمت سيدات الهلال البيان بتقديم الشكر لكل من ساندهن في محنتهن الأخيرة، وترحمنَ على الشهداء وطالبن بالحرية لكل الأسرى، مع تثمين مقاومة المرأة عبر شعار “Jin, Jiyan, Azadî”.
أزمة تتجاوز حدود الملعب
ولا تبدو أزمة سيدات الهلال مجرد خلاف إداري داخل نادي رياضي، بل تطرح تساؤلات أوسع حول واقع الرياضة النسائية وآليات إدارتها، وحدود حرية اللاعبات في التعبير عن مواقفهن الإنسانية والاجتماعية.
فاللافت أن الفريق لا يُعد فريقاً عادياً على الساحة الرياضية، بل يُصنف كأحد أبرز الفرق النسائية في سوريا خلال السنوات الأخيرة، بعدما توج بلقب الدوري السوري للسيدات ثلاث مرات متتالية في مواسم 2023 ـ 2024، و2024 ـ 2025، و2025 ـ 2026، فضلاً عن نجاحه في تقديم نموذج رياضي نسائي لافت على المستويين المحلي والخارجي. لكن؛ رغم هذه النجاحات، كشفت الأزمة عن فجوةٍ واضحة بين اللاعبات والإدارة، وسط شعور متزايد لدى الفريق بأن حجم التضحيات والإنجازات لم يُقابل بالتقدير الكافي. كما أظهرت القضية تناقضاً يراه البعض بين الخطاب الداعم لرياضة المرأة والواقع العملي داخل بعض المؤسسات الرياضية، خاصةً عندما تتحول الخلافات أو المواقف المختلفة إلى مصدر توتر قد يهدد استقرار الفرق النسائية ومستقبلها.
ورغم الوعود التي حملها الاجتماع الأخير، لا تزال علامات الاستفهام قائمة بشأن مستقبل مشاركة سيدات الهلال في بطولة غرب آسيا للأندية، المقررة بحسب المعلومات خلال شهر تموز المُقبل في الأردن.
وبينما تأمل اللاعبات أن تُترجم الوعود إلى خطوات عملية تضمن حقوقهن وتحفظ كرامتهن، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح هذه الاجتماعات في احتواء الأزمة وإعادة الاستقرار إلى أحد أبرز فرق كرة القدم النسائية في سوريا؟ أم أن الخلافات ستلقي بظلالها على مستقبل الفريق ومشاركاته الخارجية؟