نايف خوري
كاتب وإعلامي
شيعت جماهير غفيرة جثمان المطران المثلث الرحمات بطرس حبيب المعلم، في مسقط رأسه عيلبون. يوم الجمعة 15/5/2026
لم يكن المطران والمعلم الجليل بطرس المعلم بل انه كتب اسمه بأحرف من نور وخلد اعماله وأقواله المقرونة بالفعل في صفحات نورانية مشرقة في تاريخ الكنيسة، وحمل في قلبه آلام الغربة التي ألمت به وبشعبه، وكان خادما للكلمة الحقة ولشعبه بكل ما أوتي من علم وقوة معرفية.
أطلقتُ عليه لقب المطران العلّامة، لسعة اطلاعه وعلومه وكتاباته ومؤلّفاته التي أثرت المكتبة العربيّة، الدينيّة، الأخلاقيّة والأدبيّة. كان رحمه الله مرجعًا لاهوتيًّا، ومصدرًا لغويًّا. فمرجعيّته اللاهوتيّة تمثّلت بكونه رئيسًا للجمعيّة البولسيّة، ولكتاباته المتعدّدة في مجال اللاهوت، وخاصّة كتاب “الاقتداء بالمسيح” الذي ترجمه عن اللاتينيّة. وأما الأدبيّة فجاءت لإسهامه بتحرير مجلة المسرة في لبنان، وفي وضع كتاب تاريخ الأدب العربيّ، للأب حنا الفاخوري، واختصّ في فقرة كتاباته بأمير الشعراء أحمد شوقي. فكان يشرح شوقي بكل معانيه وأبعاد شعره، وجماليّات وبلاغة نصّه. وأذكره شرح في الكنيسة في إحدى عظاته قصيدة شوقي التي مطلعها:
“وُلِدَ الرفقُ يومَ مولدِ عيسى
والمروءاتُ كلُّها والحياءُ”
“لا وعيد، لا صولة، لا انتقام
لا حسام، لا غزوة، لا دماء“
ثم شكّل لجنة من الآباء والعلمانيين، وكنت أمينها العام، لإصدار مجلّة شهريّة ناطقة باسم الأبرشيّة تحمل اسم “صوت الجليل”. ووضع الرزنامة التي تحمل اسمه، “رزنامة المعلّم”. وهي بمثابة إنجيل مقدس مفتوح على دفتيه، كي يدخل القارئ يوميًّا إلى عالم الإنجيل المقدس.
وفي الإسلاميّات كانت له مواقف مشرّفة، وكان يقول: “حين كان يزورني مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة في الدير، ويحين موعد صلاته، أفرش له سجادة ويصلّي بحرّيته، وأفرح لأنّه صلّى أمامي إلى ربّه الذي هو ربّي”. وحرص المطران المعلّم في كتابة مقدّمات مؤلّفاته على الطلب من أصدقائه المسلمين أن يكتبوا له، كالإعلاميّ اللبنانيّ حسن حمادة، والمحامي علي مصطفى رافع. وأذكر تمامًا أنّه في عام 2000، كان أوّل من دعا وجهاء المسلمين والمسيحيّين في حيفا إلى إقامة إفطار رمضانيّ مشترك في بيت النعمة، حيث كنيسة السيّدة في حيفا، وطلب أن يرفع الآذان أحد الشيوخ الحاضرين..
وتمتّع المطران المعلم بدماثة أخلاق، وكان يفرح من قلبه عندما يرى وجوه الحاضرين والمستمعين له وهم يبتسمون أو يضحكون باغتباط.. وكثيرا ما كنا نتناقش باللغة العربية، وقواعدها، وكان من أشد المعارضين لنائب الفاعل في القواعد العربية، ويسألني ما فائدة نائب الفاعل.. لا قيمة له لأن الفاعل غائب.. فنضحك معا..
وإزاء كلّ ما تقدّم، فقد أطلقتُ عليه لقب العلّامة، وأنا بكامل القناعة والتأكيد على دوره كعلّامة في مجالات حياته واختصاصاته، وإن دوره كرئيس أساقفة الجليل وضعه في صلب أرض المسيح، وكان يقول إن يسوع المسيح ابن بلدي وابن رعيتي، وابن حارتي، سار على طرقاتنا، وشرب مياهنا وتنشق هواءنا وأكل كمثل طعامنا، ولذا أؤكد على أن المسيحيين هنا في هذه البلاد، هم أحفاد الرسل والتلاميذ، وتعود أصولنا وجذورنا إلى أولئك الذين اعتنقوا المسيحية منذ العهد الأول للمسيح.
هذا هو العلّامة المثلّث الرحمات، المطران بطرس حبيب المعلّم، الذي التحق بالأخدار السماويّة يوم 13/5/2026، بعد 98 سنة عاشها مكرّمًا، محترمًا وموقّرًا.. لتكن ذكراه مؤبّدة – المسيح قام حقًّا قام.