منذ سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول 2024، رفعت السلطة السورية الجديدة شعار “العدالة الانتقالية” باعتباره المدخل الأساسي لبناء سوريا مختلفة عن تلك التي أنهكتها عقود الاستبداد والحروب والانتهاكات. وتكررت الوعود بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإرساء دولة القانون، وإنهاء دوامة العنف التي ابتلعت البلاد منذ عام 2011. لكن؛ بعد أكثر من عام ونصف على بدء المرحلة الانتقالية، تبدو الصورة على الأرض مختلفة إلى حدٍ كبير؛ إذ لا تزال مشاهد القتل والخطف والتصفية والانتقام الجماعي تتصدّر المشهد السوري، بينما تتراجع مفاهيم العدالة والمصالحة والأمن إلى الخلف.
وفي الوقت الذي كان السوريون ينتظرون تأسيس منظومة قضائية قادرة على محاسبة مرتكبي الجرائم، وإنهاء منطق الثأر والعقاب الجماعي، تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لموجات جديدة من العنف، حمل بعضها شعارات ملاحقة “فلول النظام”، فيما اتخذ بعضها الآخر طابعاً طائفياً أو انتقامياً استهدف شعوب اجتماعية بعينها، من العلويين إلى الدروز والكرد، وصولاً إلى المدنيين الذين وجدوا أنفسهم مرةً أخرى ضحايا لصراعات تتجاوز قدرتهم على الاحتمال.
وتكشف الأرقام الصادرة عن المرصد السوري لحقوق الإنسان حجم الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، فحتى 17 حزيران 2026، وثق المرصد مقتل 1749 شخصاً في مختلف المناطق السورية، في حصيلة تعكس استمرار الانفلات الأمني وتنامي أعمال العنف رغم كل الشعارات المرفوعة حول الاستقرار والعدالة الانتقالية وإعادة بناء سوريا.
هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصائيات جامدة، بل تعكس أزمة عميقة تواجه سوريا الجديدة؛ إذ يبدو أن البلاد انتقلت من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة أخرى لا تقل خطورة، عنوانها غياب المحاسبة الحقيقية، وتنامي النزعات الانتقامية، واستمرار استخدام القوة والسلاح خارج إطار القانون، الأمر الذي يجعل القتل اليوم العنوان الأبرز للمشهد السوري.
العدالة الانتقالية بين الشعارات والواقع
عندما بدأت المرحلة الانتقالية في سوريا، اعتبر كثير من السوريين أن العدالة الانتقالية؛ ستكون فرصةً تاريخيةً لمعالجة إرث أكثر من خمسة عقود من القمع والانتهاكات التي تراكمت خلال حكم عائلة الأسد، إضافةً إلى الجرائم التي ارتكبت خلال سنوات الحرب.
كان المفترض أن تقوم هذه العدالة على عدة أسس؛ أبرزها كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق إجراءات قانونية عادلة، وتعويض الضحايا، ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً، إلا أن التطبيق العملي واجه تحدياتٍ هائلة، ليس فقط بسبب حجم الجرائم المتراكمة، بل أيضاً بسبب ضعف المؤسسات القضائية والأمنية، والانقسامات السياسية والعسكرية التي لا تزال تحكم المشهد السوري.
ومع مرور الأشهر، بدأ يتضح إن مسار العدالة يسير ببطءٍ شديدٍ مقارنةً بسرعة الأحداث على الأرض. فبينما تأخرت المحاكمات والإجراءات القانونية، استمرت عمليات التصفية والاعتقالات والاغتيالات والاشتباكات المسلحة في حصد مزيد من الأرواح.
وفي كثير من الحالات، جرى تقديم عمليات قتل أو ملاحقات أمنية على أنها جزء من الحرب ضد “فلول النظام”، إلا أن غياب التحقيقات الشفافة والرقابة القضائية فتح الباب أمام تجاوزات واسعة، وتحول المصطلح نفسه إلى مبرر تستخدمه أطراف مختلفة لتصفية خصومها أو ممارسة الانتقام خارج إطار القانون. وهكذا، بدل أن تتحول العدالة الانتقالية إلى أداة لإغلاق جراح الماضي، أصبحت بالنسبة لكثير من السوريين شعاراً سياسياً لا ينعكس بصورةٍ ملموسة على حياتهم اليومية، في ظل استمرار نزيف الدم وتراجع الشعور بالأمان.
أرقام القتل تكشف عمق الأزمة الأمنية
تكشف الإحصائية التي نشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان صورة مقلقة عن الواقع السوري خلال الأشهر الأولى من عام 2026. فمنذ بداية العام وحتى 17 حزيران الجاري، بلغ عدد القتلى الموثقين 1749 شخصاً، وهو رقم يعكس استمرار العنف بوتيرة مرتفعة رغم انتهاء المعارك الكبرى التي كانت تشهدها البلاد خلال السنوات السابقة.
وخلال كانون الثاني 2026، وثق المرصد مقتل 289 شخصاً، بينهم 33 امرأة و39 طفلاً، ما يعكس استمرار تعرض الفئات الأكثر ضعفاً للعنف المباشر وغير المباشر.
أما شهر شباط فقد شهد ارتفاعاً غير مسبوق في عدد الضحايا، حيث بلغت الحصيلة 582 قتيلاً، لتكون أعلى حصيلة شهرية خلال العام الجاري، وهو ما يشير إلى تصاعد ملحوظ في الاضطرابات الأمنية والاشتباكات والعمليات الانتقامية التي شهدتها عدة مناطق سوريّة.
وفي آذار، انخفض العدد نسبياً إلى 238 قتيلاً، بينهم سبع نساء و21 طفلاً، بينما سجل نيسان مقتل 246 شخصاً، بينهم 9 نساء و34 طفلاً.
وخلال أيار، عادت الأرقام للارتفاع مع توثيق مقتل 287 شخصاً، بينهم 175 رجلاً وشاباً، و15 امرأة، و40 طفلاً وطفلة.
أما منذ مطلع حزيران وحتى 17 من الشهر ذاته، فقد وثق المرصد مقتل 107 أشخاص، بينهم أربع نساء وتسعة أطفال.
ولا تكمن خطورة هذه الأرقام في حجمها فقط، بل في دلالاتها السياسية والأمنية؛ فهي تؤكد أن سوريا لم تدخل بعد مرحلة الاستقرار الفعلي، وأن السلطة الجديدة ما زالت عاجزة عن احتكار استخدام القوة وفرض القانون على كامل الجغرافيا السورية. كما تعكس استمرار تحول المدنيين إلى الضحية الأولى في مختلف الصراعات والنزاعات والحوادث الأمنية، وهو أمر يناقض جوهر المرحلة الانتقالية التي يفترض أن تكون قائمة على حماية السكان وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات الوطنية.
من “فلول النظام” إلى الانتقام الجماعي
أحد أكثر الملفات إثارة للجدل خلال المرحلة الانتقالية كان ملف ملاحقة عناصر ومسؤولي النظام السابق. فمن حيث المبدأ، يطالب معظم السوريين بمحاسبة كل من تورط في جرائم الحرب والانتهاكات خلال العقود الماضية، لكن المشكلة بدأت عندما تحولت بعض عمليات الملاحقة إلى إجراءات خارج القانون، ففي العديد من المناطق، سُجلت حوادث قتل وتصفية ميدانية واختفاء قسري طالت أشخاصاً جرى اتهامهم بالانتماء إلى النظام السابق أو التعاون معه، دون أن تمر هذه الاتهامات عبر قضاء مستقل أو محاكمات عادلة.
ومع اتساع هذه الظاهرة، بدأت تتشكل حالة من الخوف داخل شرائح اجتماعية واسعة، خاصةً في المناطق التي كانت تعد حواضن تقليدية للنظام السابق؛ وأدى ذلك إلى تعميق الانقسامات المجتمعية بدل معالجتها، إذ شعر كثيرون بأن مبدأ المسؤولية الفردية يجري استبداله بمنطق العقاب الجماعي، وإن الانتماء الطائفي أو المناطقي بات في بعض الأحيان سبباً كافياً للاشتباه أو الاستهداف.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأسباب ذاتها التي ساهمت في اندلاع الصراع السوري منذ البداية، عبر ترسيخ الشعور بالظلم والإقصاء والخوف لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
فالعدالة لا يمكن أن تتحقق عبر الانتقام، كما أن بناء دولة القانون لا يتم من خلال تجاوز القانون نفسه، وهو ما يجعل الحاجة مُلحّة اليوم لوضع حدّ لكل أشكال التصفية خارج القضاء.
العلويون والدروز والكُرد.. مخاوف الشعوب من الاستهداف
خلال الأشهر الماضية، تصاعدت المخاوف داخل عدد من الشعوب السورية من تعرضها للاستهداف الجماعي تحت ذرائع مختلفة. ففي الساحل السوري، أثارت حوادث القتل والانتهاكات التي طالت مدنيين علويين قلقاً واسعاً، خاصةً مع اتهام جهات محلية ودولية لبعض المجموعات المسلحة بممارسة أعمال انتقامية تحت شعار ملاحقة فلول النظام. كما شهدت مناطق درزية توترات أمنية متكررة، تخللتها اشتباكات وعمليات اغتيال وخطف، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف الدروز من الانجرار إلى صراعات جديدة تهدد وجودهم وأمن مناطقهم.
أما في روج آفا، فإن الكرد ينظرون بقلق إلى مستقبل العلاقة مع دمشق في ظل استمرار التوترات السياسية والعسكرية، وغياب الضمانات الواضحة المتعلقة بالحقوق السياسية والثقافية والإدارية التي جرى الحديث عنها خلال السنوات الماضية.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد المخاوف من أن تتحول الهويات الطائفية والقومية إلى عوامل إضافية لتغذية العنف، بدلاً من أن تكون جزءاً من مشروع وطني جامع يقوم على المساواة والمواطنة.
وتاريخياً، أثبتت التجارب أن المجتمعات الخارجة من الحروب تصبح أكثر عرضة للانقسامات إذا غابت العدالة الحقيقية، وإذا شعر أي شعب بأنه مستهدف أو مهمش أو محروم من الحماية القانونية. ولهذا؛ فإن استمرار أعمال القتل والانتهاكات ضد أي فئة سورية لا يهدد تلك الفئة وحدها، بل يهدد مشروع الاستقرار السوري بأكمله.
انهيار الأمن واتساع دائرة العنف
لا تقتصر أسباب ارتفاع أعداد الضحايا على عمليات القتل ذات الخلفيات السياسية أو الطائفية فقط، بل ترتبط أيضاً بحالة الانفلات الأمني الواسعة التي تشهدها البلاد. ففي العديد من المحافظات، لا تزال الأسلحة منتشرة بشكل كبير، فيما تنشط مجموعات مسلحة محلية ومتعددة الولاءات، الأمر الذي يجعل فرض القانون مهمة معقدة. كما تشهد البلاد بشكلٍ شبه يومي حوادث اغتيال وثأر وخطف واشتباكات بين مجموعات مسلحة، إضافةً إلى جرائم جنائية مرتبطة بالفقر والأزمة الاقتصادية وتراجع المؤسسات الوطنية. وتتفاقم هذه الظاهرة بسبب تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات البطالة وانهيار الخدمات الأساسية، وهي عوامل تدفع بعض الأفراد والجماعات نحو العنف أو الانخراط في أنشطة غير قانونية.
ويشير خبراء أمنيون إلى أن بناء الاستقرار لا يمكن أن يتحقق من خلال الحلول العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى إصلاح شامل للمؤسسات الأمنية والقضائية، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والسلطة؛ فالسلطة التي تعجز عن حماية مواطنيها أو محاسبة مرتكبي الجرائم تفقد تدريجياً قدرتها على فرض النظام، وهو ما يبدو واضحاً في أجزاء واسعة من سوريا اليوم.
سوريا أمام مفترق طرق تاريخي
بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الصراع، تقف سوريا اليوم أمام اختبار مصيري يتعلق بمستقبلها السياسي والاجتماعي. فالمرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تشكل بداية جديدة للسوريين تواجه تحدياً أساسياً يتمثل في قدرتها على الانتقال من منطق القوة والانتقام إلى منطق القانون والعدالة.
إن توثيق مقتل 1749 شخصاً خلال أقل من ستة أشهر من عام 2026 ليس مجرد رقم في تقرير حقوقي، بل مؤشر خطير على أن البلاد ما زالت تدور داخل حلقة العنف ذاتها التي أرهقتها طوال السنوات الماضية.
وإذا استمر القتل تحت مسميات مختلفة، سواء كانت ملاحقة فلول النظام أو مكافحة الإرهاب أو الصراعات المحلية أو الدوافع الطائفية والانتقامية، فإن الحديث عن العدالة الانتقالية سيبقى مجرد خطاب سياسي لا ينعكس على الواقع.
فالمجتمعات لا تُبنى بالثأر، والدول لا تستقر عبر العقاب الجماعي، والسلام لا يتحقق بمجرد تغيير السلطة الحاكمة. بل إن الاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن، مهما كان انتماؤه القومي أو الديني أو الطائفي أو السياسي، أن حياته مصونة بالقانون، وأن حقوقه محمية، وأن العدالة تطبق على الجميع دون استثناء.
واليوم، وبينما تتواصل عمليات القتل في مختلف أنحاء سوريا، يبدو أن السؤال الأهم لم يعد يتعلق فقط بمحاسبة جرائم الماضي، بل بقدرة السلطة الجديدة على وقف جرائم الحاضر. فنجاح المرحلة الانتقالية لن يقاس بعدد البيانات الصادرة أو اللجان المشكلة، وإنما بقدرتها على حماية السوريين من الموت اليومي، ومنع تحول العدالة إلى مجرد شعار يرفع في الخطابات فيما يبقى الدم هو الحقيقة الأكثر حضوراً على الأرض.
وفي ظل استمرار سقوط الضحايا شهراً بعد آخر، وغياب مؤشرات واضحة على تراجع العنف، يزداد الشعور بأن سوريا تقف أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما بناء دولة مواطنة وقانون تتسع لجميع أبنائها، وإما الانزلاق مجدداً إلى دوامة انتقام لا تنتهي، يكون فيها القتل هو اللغة السائدة، وتصبح العدالة الغائبة أكبر ضحايا المرحلة الانتقالية نفسها.