No Result
View All Result
هاني الحجي
تخرجُ من عملك. أشعةُ الشمسِ تجلدك بسياط حرارتها. أنت تتسلى مع حبّات العرق المتناثرة على صفحة جبينك، تسيلُ كبقايا مزراب يصب على تجاعيد وجهك. تنزل من سيارتك لتذهب إلى أحد المطاعم، فتتذكر أنك نسيتَ المفتاح داخل السيارة. تعود لتحاول أن تفتح سيارتك.
الشمس تُخرج ألسنة لهبها لتسخر منك بحرارتها. لو كان الأمر يقتصر على حرارة الشمس ربما تحملتَها، لكنك كنت تستقبل ركلات من الكلمات لبعض المارة، وتُقذف عليك براميل من الألفاظ النابية والعبارات القاسية لبعض الفضوليين.
أنت تتساءل: لماذا لا ينسى المواطن مفتاحه في سيارته؟ وتزدحم آلاف الأسئلة والهموم في رأسه منذ خروجه من العمل وعبوره في الشوارع المزدحمة. لو أجرت مصلحة الإحصاءات تعدادًا للمواطنين الذين ينسون مفاتيحهم في سياراتهم، لتوصلت إلى أن أكثر من نصف المواطنين ينسون مفاتيحهم في سياراتهم. قد يرى البعض أن هناك إحصاءات أهم يحتاجها المواطن، ولكنك مقتنع أن وجود إحصائية عن عدد الذين ينسون مفاتيحهم في سياراتهم سيستفيد منها علماء النفس والاجتماع لمعرفة الحالة النفسية والاجتماعية التي يعيشها المواطن، وتأثير الحالة الاقتصادية على ذاكرتهم.
أنت ما تزال تتسلى بهذه الأفكار وتحاول أن تفتح باب السيارة. تعبرك العديد من النماذج البشرية وكلٌّ يقدم اقتراحًا. بعضهم يتطوع ليحاول أن يفتح معك سيارتك، وعندما يفشل يتأفف ويتركك وحيدًا.
جاءك رجل يبدو من مظهره، ومن شنطته والكتاب الذي يحمل، ومن نظارته والكرفتة الحمراء التي يرتديها، أنه أستاذ جامعي. تأكد لك ذلك بعد إلقائه محاضرة عليك وأنت تحاول أن تفتح سيارتك رغم حرارة الشمس:
“يا أخي، أنت وأشكالك سبب بلاء الأمة. لو كنا نعرف قيمة المفتاح لما سقطَت الأندلس. الغرب أخذ مفتاح حضارتنا وبنوا به حضارتهم، أما أنت وأمثالك فتنسون المفتاح بكل سهولة”.
أنت تحاول أن تُفهمه أنك لست الوحيد الذي ينسى مفتاحه في سيارته.
أنت تقول: إن المواطن يكدح طوال ذروة شبابه، ويتسلّف ويأخذ قروضًا من صندوق التسليف، وترهن البنوك سنوات عمره لتعطيه قرضًا، ليجمع مهر الزوجة ويسدد تكاليف الزواج حتى ينعم ببيت وأسرة. وفي النهاية تطلب منه زوجته أن يحضر لها الغداء من المطعم.
كنت تقول ذلك لأحد العابرين الذي انتقدك لأنك نسيت مفتاحك، وقال لك: “هذا لأنكم تبحثون عن المعلمات من أجل الراتب وتتركون ربّات البيوت”.
حاولت أن تُفهمه أن زوجتك أيضًا ربّةُ بيت، ولكن أصبح المتزوجون يأكلون في المطاعم أكثر من العزاب، لأن زوجاتنا ينمن للظهر ونحن نكدح من الصباح لنوفر المعيشة الكريمة لهن، ثم يشاهدن المسلسلات التركية ويتحسرن على عدم رومانسية أزواجهن.
يتركك وأنت تحاول فتح السيارة. يخرج صوت أغنية من المذياع، فيأتي رجل يمسد لحيته وهو يستغفر ويعظك:
-طبيعي أنك ستنسى المفتاح ما دمت تستمع للغناء. ألم تعرف أن الغناء يميت قلب المسلم؟
حاولت أن تُفهمه أنك كنت تستمع للأخبار قبل أن تنزل من سيارتك، من باب “من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم”، إلا أنه غادر وتركك وهو يستغفر الله.
الشمس تلفحك بلهيبها وأنت تحاول أن تفتح سيارتك. يقف أمامك أحد العمال الآسيويين ليخبرك أنه عند كبري (البطحاء) توجد محلات لفتح جميع أنواع السيارات. تركب ليموزين. العامل الباكستاني يسرد عليك قصصًا عمن نسوا مفاتيح سياراتهم وأخذهم للكبري، وهناك من نجح هو شخصيًا في فتح سياراتهم وبعضهم لم يتمكن. ويعطيك محاضرة عن نوعية المشاكل، ولا ينسى أن يحدثك عن أنواع المفاتيح.
تصل لكبري (البطحاء). يقابلك عامل بنغالي يقول إنه يستطيع فتح جميع السيارات. يأتي معك وهو يقول إن لديه مفتاحًا يستطيع فتح جميع السيارات. أنت غير مصدق لكنك مضطر أن تسير معه. تستغرب عندما يفتح سيارتك. أنت تقول: إن هذه العمالة أصبحت تملك مفاتيح لجميع أنواع مشاكلنا. تعطيه خمسين ريالًا. تركب سيارتك وأنت تحمد الله، تتذكر أن فلوس الغداء أعطيتها العامل، وستدخل في معركة أخرى مع زوجتك لأنك لم تحضر غداءً من المطعم!!
No Result
View All Result