إنّ عمليّة المواءمة بين مجموعة صحيحة من العناصر، أو المقترحات، أو الأفكار، أو النّظريّات الفكريّة إلخ، ليس بالضرورة أن تعطي نتيجة مرضية وفاعلة، إذ إنّ هناك صحيحَين قد لا يقبل أحدهما الآخر، إذا كانا من مكانَين مختلفَين، لذا، علينا الإدراك والإحاطة من منظور تشاركيّ تشابكيّ بالعناصر والأدوات المستعملة لصالح مشروع أو هدف ما.
فالخطورة تكمن في الصحيح أكثر منه في الخطأ
فهل ننتمي إلى الفكر الأصل أم إلى الفكر الموازي؟
وما مفهوم الانتماء في ظلّ الظّروف الرّاهنة في هذا العالم، حتّى في مناطقنا على وجه الخصوص؟
ولماذا من الأساس نحن نحتاج إلى الانتماء؟ وهل ثمّة نوع من التّعايش بيننا وإيّاه؟
وأيّ أنواع الانتماء أكثر تأثيراً في شخصنا ككل، ثمّ في الإطار العام للمحتوى الفكريّ؟
فنوع الانتماء يحدّد نمط التّفكير، وبالتّالي سيل الحركة الفكريّة، وبذلك السّيل تتأثّر ثقافة الحركة العامّة لشخصنا، ولا سيّما الانتماءات اللّحظيّة ذات التّفكير الرّاهن أو الآن، والتي تتعيّن عنصراً أوّلاً للمعادلة.
فلْنبدأ:
1ـ العنصر الأوّل:
ـ التّفكير الرّاهن: إنّ أغلب العلوم الفكريّة التي تسعى إلى تنمية بشريّة وفكريّة تعتقد بالفكر اللّحظيّ في الوهلة التي تحياها.
ونحن في مفهومنا لا نرفض هذا المعتقد، وفي المقابل لا نحسبه صحيحاً، فهو ليس بخطأ لأنّ علينا مجاراة الواقع والتّعامل مع الظّروف الآنية بحكمة وتفكير تكييفي لاجتيازها بسلام سواءٌ أكانت سيّئة، أم حسنة، وهذا المعتقد ليس صحيحاً بافتراض أنّك تجعل تفكيرك أسير اللّحظة من دون أن يكون لديك تصوّر، أو رؤية في كيفيّة السّعي نحو الأفضل، أو الاستفادة من اللّحظة وإدراكها لتملك فاعليّة تصوريّة تدفعك نحو خطوات إنتاجية أكثر نفعاً وفائدةً. أمّا فيما يتعلق بمفهومنا في التّفكير الرّاهن، فلا نعني به التّفكير اللّحظي أو الآني، بل الحالة الفكريّة في الواقع الرّاهن، فعمليّة الفرز وفق المعطيات هي الأكثر تأثيراً في نمط التّفكير، إذ إنّ الفرز يعني هنا الفوائد والأضرار التي تلامسك من تلك المعطيات، فكأنّها عملية الإحصاء التي توجّه تفكيرك إمّا نحو الفوائد، أو الأضرار، بالإضافة إلى ذلك، هناك تأثيراتٌ أخرى تتعلّق بحياتك المهنيّة منها المغريات المتوفّرة خارج واقعك، والتّفكير في كيفيّة الوصول إليها.
فمجمل هذه التّأثيرات هو ما يحدّد تفكيرك الرّاهن، وللأسف؛ فإنّ أغلب البشر يعيشون حالة القلق من تلك التّأثيرات، حتّى في الدّول المتقدّمة، ولكنّ حالتنا في الشّرق الأوسط والدّول الأخرى هي الأكثر قلقاً وتشرّداً فكريّاً.
وهنا تبرز القوّة الفكريّة، في تعاملها مع هكذا واقع، بحالة لا مثيل لها من القوة، وهذا ليس حديث مثاليّ، فليس معقولاً أن نستمرّ في العيش، ونحن مثقّلون بكاهل القلق، وحدّة التّأثير، لا البتّة، فتقدّم المجتمعات يحتاج إلى أشخاص أقوياء يسعون إلى تطوير واقعهم نحو الأفضل بشتى الوسائل، إذ لا يمكن لمجتمع برمّته أن يثبت على حالة القلق منتظراً زوال هذه الحالة من دون سعي إلى هذا الزّوال، أو أن يهاجر هذا المجتمع بأسره من هذه البيئة إلى بيئة أخرى.
فالتّفكير الرّاهن بحدّ ذاته يرفض تلك الحالة لأنّها تحصره في خانة الحتميّة القلقة، والتي تحدّثنا عنها سابقاً، ونحن بهذه الحالة نخترق أحد قوانين المحتوى الفكريّ، وبالتّالي نقضي عليه جرّاء هذا التّجاوز.
فلن يستفيق من بين النّائمين في خانة القلق إلّا الشّجعان ذوو اليقظة التّفاؤلية بمفهومها الفكريّ، والتي ستخترق حالة السّبات في تلك الخانة، (فليس للظّروف الحياتيّة بكلّ مجالاتها تأثير بالغ على تفكيرنا فحسب، بل يمكن القول إنّه مرهون بها).