لم تكن الشهيدة مزكين فنانة كردية تمتلك صوتاً مختلفاً، بل كانت ثورية فهمت باكراً أن الأغنية قد تتحول أحياناً إلى شكلٍ من أشكال الدفاع عن الشعب المظلوم. في تلك السنوات الصعبة، حين كانت اللغة الكردية محاصرة والخوف يرافق الحياة اليومية، لم يكن الغناء فعلاً عادياً. كان أشبه بمحاولة انقلاب على الواقع. ولهذا غنّت مزكين وكأنها تعرف أن الصوت قد يبقى أحياناً أطول من العمر نفسه.
وُلدت غربت آيدن، المعروفة باسم هوزان مزكين “الفنانة مزكين”، في بيئة ريفية فقيرة، قريبة من هموم وأوجاع الشعب. لم تأتِ من عالم الفن اللامع، بل من حياة مليئة بالعمل والخوف والحرمان. وربما لهذا السبب بدا صوتها صادقاً إلى هذا الحد. لم تكن تغنّي بطريقة متكلّفة، ولم تحاول أن تصنع صورة بعيدة عن الناس، بل بقيت قريبة من تفاصيلهم الصغيرة؛ من النساء اللواتي يخبزن بصمت، ومن الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، ومن القرى التي تعيش دائماً القلق.
حين تستمع إلى أغانيها، تشعر أنها لا تؤدي كلمات محفوظة، بل تتحدث من داخل تجربة حقيقية. كان في صوتها شيء من الحزن القديم، لكنه لم يكن حزناً ضعيفاً أو مستسلماً، بل حزناً يشبه الصبر الطويل. لذلك؛ أحبها الناس بسرعة، لأنهم وجدوا فيها صورة تشبه حياتهم، لا صورة فنانة منفصلة عن الواقع.
ما ميّز الشهيدة مزكين أيضاً أنها لم تتعامل مع الفن كوسيلة للشهرة. كانت ترى أن الأغنية يجب أن تبقى مرتبطة بالشعب وبقضاياهم، وإلا فقدت معناها. لهذا غنّت للمرأة الكردية بطريقة مختلفة؛ لم تظهرها كضحية فقط، بل كامرأة تتحمل الحياة بكل قسوتها، وتبقى صامدة رغم الظلم والنزوح والحرب. كانت تعرف أن النساء لم يكنّ بعيدات عن السياسة أو عن الواقع الكردي المعاش، بل كنّ يحملن الجزء الأكبر من المقاومة اليومية.
المنفى كان جزءاً من حياتها أيضاً. مثل كثير من الكرد، عاشت الشهيدة مزكين تجربة الابتعاد عن الوطن، لكنها لم تتعامل مع المنفى كمسافة جغرافية فقط، بل كدافع الإبداع. لهذا بدت أغانيها مليئة بالحنين الوطني، للحنين القومي. بدأت تغني عن الثورة، عن رفاق الدرب، عن الجبال والشهداء.
وفي النهاية، قررت ألا تفصل حياتها عن أغانيها وعن الدرب المقاوم الذي اختارته لنفسها. استشهدت الشهيدة مزكين عام 1992، لتعيش كل كلمة من كلمات أغنياتها، بطريقتها الخاصة.
بقيت الشهيدة مزكين في الذاكرة الكردية كصوت قريب من الناس، وكامرأة لم تفصل الفن عن الواقع، ولا الأغنية عن القضية.
هناك فنانون يتركون خلفهم أغانٍ ناجحة، وهناك من يتركون أثراً يشبه جزءاً من ذاكرة شعب. والشهيدة مزكين كانت من النوع الثاني.