No Result
View All Result
روناهي/ قامشلو – يشكّل يوم الأم في سوريا مناسبة اجتماعية وثقافية ذات دلالات عميقة، تعكس مكانة المرأة والأم في المجتمع، كما يرتبط هذا اليوم بتاريخ خاص يختلف جزئياً عن بقية الدول العربية. وبينما يبدو للوهلة الأولى أنه مجرد مناسبة إنسانية، فإن مساره التاريخي يكشف تداخل السياسة بالرمزية الاجتماعية، خصوصاً مع التغييرات التي طرأت عليه خلال عقود حكم النظام البعثي.
في سوريا، يوم الأم مناسبة وطنية ذات أبعاد تتجاوز الاحتفال العائلي، لترتبط بتاريخ الدولة الحديثة وصراعات الهوية. يصادف الاحتفال الأصلي به في 13 أيار من كل عام، وهو تاريخ موثق رسمياً منذ عهد الجمهورية السورية.
الجذور التاريخية ليوم الأم السورية (13 أيار 1955)
احتفلت سوريا لأول مرة بيوم الأم في 13 أيار 1955، في عهد الرئيس هاشم الأتاسي. وثّق ذلك طابع بريدي رسمي أصدرته إدارة البريد والبرق والهاتف بموجب مرسوم رقم 1282 تاريخ الرابع من أيار 1955، طبعت منه 50 ألف مجموعة. يظهر الطابع رسماً لأم تحمل طفلها، مع كتابة واضحة “يوم الأم السورية 13 أيار 1955”. كان هذا الطابع جزءاً من احتفاء بالأمومة وقدسيتها في المجتمع السوري، ويُعد دليلاً تاريخياً على أن هذا التاريخ كان الاحتفال الرسمي في الجمهورية. ظل 13 أيار يوم الأم السوري لعقود، رمزاً للوحدة الوطنية والتقدير لدور المرأة الأم في بناء المجتمع.
التحول إلى 21 آذار وتأثير السياق العربي
في عام 1957، قرر مجلس جامعة الدول العربية اعتماد 21 آذار يوماً للأم في جميع الدول العربية، متأثراً بالمبادرة المصرية التي أطلقها الصحفي مصطفى أمين. هذا القرار أدى إلى توحيد تاريخ الاحتفال عربياً، وربط يوم الأم ببداية فصل الربيع. لكن؛ في سوريا ظل البعد التاريخي الخاص بتاريخ 13 أيار قائماً في الذاكرة الثقافية، خاصة أنه موثق رسمياً بطابع بريدي.
نوروز 1986 واستشهاد سليمان آدي
في 21 آذار 1986، خرج الكرد في دمشق في تظاهرات أمام قصر الرئاسة في الروضة، للمطالبة بحقهم في الاحتفال بعيد نوروز، الذي يمثل العيد القومي للشعب الكردي. واجهتهم قوات الحرس الجمهوري بالرصاص؛ ما أدى إلى استشهاد الشاب سليمان محمد أمين آدي (سليمان آدي)، الذي أصبح رمزاً يُعرف بـ “شهيد النوروز” أو “موقد شعلة نوروز”. كما أصيب آخرون. شكّلت هذه الحادثة سابقة خطيرة ونقطة مفصلية، إذ عبّرت عن التوتر بين السلطة المركزية والهوية القومية الكردية، خصوصاً فيما يتعلق بالرموز الثقافية والاحتفالات الجماعية.
مرسوم حافظ الأسد وتحويل المعنى
بعد هذه الأحداث، أصدر الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد سنة 1987 المرسوم رقم 104، الذي جعل يوم 21 آذار عطلة رسمية بمناسبة يوم الأم. لكن؛ اللافت في هذا القرار أنه جاء في يوم عيد نوروز (العيد القومي للكرد). لم يتم الاعتراف بالنوروز كعيد رسمي. بل أعاد توظيف التاريخ تحت مسمى “عيد الأم”. هذا التحول هو خطوة ذات طابع سياسي، هدفها طمس البعد القومي لعيد نوروز وإعادة صياغته ضمن إطار اجتماعي عام لا يحمل دلالة قومية. بمعنى آخر، لم يكن التغيير مجرد توحيد للتقويم، بل حمل دلالات مرتبطة بالسعي لطمس الهوية القومية للشعب الكردي.
الاستمرار في النهج ذاته
بعد سقوط النظام السوري في الثامن من كانون الأول 2024، استبشر الكرد خيراً وتأملوا مثل غيرهم بأن يحدث تغيير جدي في النظام السياسي الجديد للحكم في سوريا. لكن؛ الذي حدث كان مخيباً للآمال، فالحكومة المؤقتة أصدرت مرسوماً بتعديل العطل والأعياد، ألغت عيد الشهداء، وذكرى حرب تشرين، وجاءت بعيد التحرير وعيد الثورة، بينما أبقت على يوم 21 آذار عيداً رسمياً ولكن تحت مسمى “عيد الأم” دون إعادة الاعتبار للتاريخ الأصلي (13 أيار)، ودون الاعتراف الرسمي بعيد نوروز. هذا الاستمرار يعكس: ثبات السياسة الرسمية تجاه المناسبات القومية غير المعترف بها. في محاولة إبقاء الرموز الثقافية ضمن إطار موحد يخضع للرؤية المركزية للدولة. وفي المقابل، حافظ المجتمع الكردي على الاحتفال بعيد نوروز بشكل واسع، رغم القيود، باعتباره رمزاً للهوية والحرية.
ختاماً لا يسعنا إلا القول: إن يوم الأم السورية ليس مجرد مناسبة اجتماعية، بل هو نموذج واضح لكيفية تداخل التاريخ والسياسة في تشكيل الذاكرة الجمعية. فمن 13 أيار 1955 كرمز أصيل موثق بطابع بريدي، إلى 21 آذار الذي حمل أبعاداً سياسية مرتبطة بعيد النوروز العيد القومي للشعب الكردي، يتضح أن الأعياد ليست محايدة دائماً، بل يمكن أن تتحول إلى أدوات لإعادة تعريف الهوية. اليوم، ومع إعادة طرح النقاش حول هذا اليوم، يعود السؤال الأساسي: هل ينبغي إعادة الاعتبار للتاريخ الأصلي ليوم الأم السورية، أم الاستمرار في الصيغة الحالية؟ الإجابة على هذا السؤال تتجاوز التقويم، لتصل إلى جوهر العلاقة بين الدولة، والهوية، والتنوع الثقافي في سوريا. هذا الأمر سوف ينعكس في مرآة تطور سوريا من إلى نظام مركزي استبدادي الى نظام لامركزي تعددي يمثل التنوع الثقافي والقومي. الاحتفاء الحقيقي بالأم يتطلب الاعتراف بكل أعياد ومناسبات الشعب السوري بكل أطيافه.
No Result
View All Result