No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
في أتونِ الحرب الدائرة بالشرق الأوسط، سعت تركيا لتقديم نفسها كلاعبٍ إقليمي، لكن هذا الصعود لا يمكن فصله عن استثمار مكثّف للفراغات التي خلفها تراجع أطراف أخرى. فأنقرة، التي قدّمت نفسها بوصفها وسيطًا محايدًا، اعتمدت في الواقع مقاربة براغماتية عالية، سعت من خلالها إلى تعظيم مكاسبها الاستراتيجية دون تحمّل كلفة الانخراط المباشر في الصراع. ومنذ البداية، روّجت تركيا لما تصفه بـ«الحياد النشط»، غير إن هذا المفهوم يطرح تساؤلات جوهرية: هل هو حياد فعلي، أم تموضع تكتيكي يتيح لها البقاء خارج دائرة المخاطر مع الاستفادة من نتائجها؟ فالدور التركي في تمرير الرسائل بين واشنطن وطهران، والمشاركة في أطر التهدئة، منحها حضورًا دبلوماسيًا، لكنه في الوقت ذاته عزز موقعها التفاوضي في مرحلة ما بعد الحرب، دون أن تتحمّل تبعات القرارات الصعبة.
هذا الحياد “المزعوم” لم يمنع أنقرة من إعادة توجيه مسارات النفوذ على الأرض. ففي سوريا، ومع انهيار التوازنات السابقة، تقدّمت القوى المتحالفة معها إلى مواقع مركزية في ترتيبات ما بعد الحرب، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تركيا تسعى إلى الاستقرار أم إلى إعادة تشكيل المجال الإقليمي بما يتوافق مع مصالحها. الأمر ذاته ينسحب على العراق، حيث تشير التحركات التركية إلى محاولة توسيع نطاق النفوذ في ممرات استراتيجية مثل محور قامشلو ـ شنكال. ولا يمكن قراءة ذلك فقط في إطار مكافحة التهديدات الأمنية، بل يتقاطع مع مشروع أوسع لإعادة رسم خطوط الاتصال الجغرافي والاقتصادي في المنطقة.
وفي هذا السياق، تبرز مشاريع مثل «طريق التنمية» وممر زانغزور بوصفها أدوات لإعادة توجيه التجارة الإقليمية عبر الأراضي التركية، ورغم تقديمها كفرصٍ تنموية، فإنها تحمل في طياتها بُعدًا جيوسياسيًا واضحًا، يتمثل في تحويل تركيا إلى مركز تحكم في سلاسل الإمداد، بما يعزز اعتماد الدول المجاورة عليها. غير إن هذا التحول يطرح إشكالية أعمق: هل تُسهم هذه المشاريع في تعزيز التكامل الإقليمي، أم في خلق نمط جديد من التبعية الاقتصادية؟ فإعادة توجيه التجارة ليست عملية محايدة، بل تعكس دائمًا موازين القوة، وتعيد إنتاجها.
على الصعيد الأمني، تستفيد تركيا من التحولات في الخليج، حيث دفعت الحرب دول المنطقة إلى إعادة تقييم اعتمادها على الولايات المتحدة. وهنا، تطرح أنقرة نفسها كشريكٍ بديل، مستندةً إلى نمو صناعتها الدفاعية. لكن؛ هذا الدور لا يخلو من إشكالات، إذ إن تحويل القلق الأمني إلى عقود تسليح طويلة الأمد قد يعمّق سباق التسلح الإقليمي بدلًا من معالجته.
وفي الوقت ذاته، تحاول تركيا الاستفادة من موقعها داخل حلف شمال الأطلسي لتعزيز حضورها في منظومات الدفاع الغربية، رغم التوترات السابقة مع واشنطن. هذا التوازن بين الانخراط الغربي والاستقلال النسبي يوفّر لها هامش حركة واسع، لكنه يعكس أيضًا ازدواجية في التموضع قد تثير شكوك الشركاء.
ورغم هذا الصعود الظاهر، لا تخلو السياسة التركية من تناقضات داخلية وضغوط خارجية. فاقتصاديًا، لا تزال تعاني من تضخم مرتفع، وتبقى عُرضة لتقلبات الطاقة. كما إن اعتمادها الجزئي على الغاز الإيراني يكشف عن هشاشة في أمنها الطاقوي، أما الملف الكردي، فيمثل نقطة توتر دائمة، فمخاوف أنقرة من أي تجربة أو كيان كردي على تخومها الجغرافية تدفعها إلى سياسات تدخلية تتجاوز حدود الأمن القومي إلى إعادة هندسة التوازنات السكانية والسياسية، إلى جانب ذلك، يتجه المشهد نحو توتر متزايد مع إسرائيل، في ظل غياب إيران كقوة موازنة. وهو ما يفتح الباب أمام صراع جديد قد يُعيد خلط الأوراق، ويحدّ من قدرة تركيا على الاستفادة من موقعها الحالي.
في المحصلة، لا يمكن إنكار إن تركيا خرجت من الحرب بمكاسبٍ ملموسة، لكنها مكاسب قائمة على ظروف استثنائية قد لا تدوم. فالصعود الذي يعتمد على فراغ الآخرين يظل عرضة للتراجع مع تغيّر المعادلات. والسؤال الأهم ليس ما إذا كانت تركيا قد استفادت من الحرب، بل ما إذا كانت هذه الاستفادة تُسهم في استقرار الإقليم، أم أنها تُعيد إنتاج التنافس والصراع بأدواتٍ جديدة. في هذا السياق، تبدو أنقرة أقل كوسيط محايد وأكثر، كفاعل يسعى إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة بما يخدم مصالحه، حتى وإن جاء ذلك على حساب توازنات هشة لم تستقر بعد.
No Result
View All Result