د. ضحى السدخان
لا يمكن لأي دولة أن تدّعي الاستقرار أو الشرعية ما لم تضع كرامة المواطن في صلب سياساتها. فاحترام الإنسان ليس ترفاً أخلاقياً، بل هو أساس بناء الدولة الحديثة، وهو ما تؤكد عليه مبادئ الأمم المتحدة في منظومة حقوق الإنسان العالمية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يقرُّ بأنَّ لكلِّ إنسان الحق في الكرامة، والأمان، وحرية التعبير.
في العراق، لا تكمن المشكلة في غياب النصوص، فالدستور يتضمن مواد واضحة تكفل الحريات العامة وحقوق الإنسان، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في الفجوة بين النص والتطبيق، هذه الفجوة جعلت المواطن يشعر بأن المطالبة بحقه قد تتحول إلى مخاطرة، وأن صوته قد يُقابل أحياناً بالتجاهل أو حتى القمع..
من إهانة الفلاح إلى قمع الموظف.. صور متكررة للانتهاك
ما يزيد القلق هو تكرار مشاهد تمس كرامة فئات مختلفة من المجتمع. فالفلاح، الذي يمثل عماد الأمن الغذائي، يتعرض أحياناً للإهمال والإهانة في تعامله مع بعض الجهات، سواء في تسويق محصوله أو مطالبته بحقوقه المائية والزراعية. وهذه ليست مجرد مشكلة خدمية، بل مساس مباشر بكرامة شريحة منتجة يُفترض أن تكون محمية ومدعومة..
وفي مشهدٍ آخر، شهدت محافظات مثل العمارة والبصرة حالات اعتداء على موظفين، من بينهم موظفي “البشائر”، الذين خرجوا للمطالبة برواتبهم أو حقوقهم الوظيفية، فقوبل بعضهم بالضرب أو الإهانة، هذه الحوادث، بغض النظر عن تفاصيلها الدقيقة، تعكس خللاً في آلية التعامل مع المطالب المشروعة، وتؤشر إلى غياب قنوات آمنة للتعبير.
لماذا يُهان من يطالب بحقه؟
الأسباب متعددة ومتشابكة:
أولاً، استمرار ثقافة السلطة بدلاً من ثقافة الخدمة، حيث يُنظر أحياناً إلى المواطن بوصفه طرفاً يجب السيطرة عليه لا خدمته.
ثانياً، ضعف المساءلة، فغياب العقاب الواضح يفتح الباب لتكرار الانتهاكات.
ثالثاً، تسييس بعض المؤسسات التنفيذية؛ مما يُضعف حيادها في التعامل مع المواطنين.
رابعاً، غياب آليات مؤسسية فعالة لاحتواء الاحتجاجات وتنظيم المطالب.
كيف يمكن استعادة كرامة المواطن؟
ترسيخ مبدأ إن كرامة المواطن خط أحمر لا يُمس، مهما كانت الظروف.
تفعيل القضاء لمحاسبة أي جهة تتجاوز على حقوق الناس.
تدريب الأجهزة الأمنية على إدارة الاحتجاجات وفق المعايير الحقوقية.
دعم الفلاحين والمنتجين واحترام دورهم الاقتصادي بدل تهميشهم.
إنشاء قنوات رسمية فعالة لاستقبال الشكاوى ومعالجتها دون تصعيد.
إن إهانة الفلاح، أو ضرب موظف يطالب براتبه، ليست أحداثاً عابرة، بل مؤشرات على خلل عميق في العلاقة بين الدولة والمواطن، والدولة التي لا تحمي أضعف فئاتها، ولا تستمع إلى أصوات المطالبين بحقوقهم، تضعف من داخلها.
العراق اليوم أمام فرصة لإعادة بناء هذه العلاقة على أساس الاحترام والعدالة، فكرامة المواطن ليست شعاراً سياسياً، بل هي الأساس الحقيقي لأي استقرار دائم وهيبة دولة راسخة.