No Result
View All Result
حمزة حرب
شهدت العلاقة بين الكرد وتركيا، خلال المرحلة الأخيرة، تحولات لافتة، أعادت إحياء النقاش حول فرص السلام وحدوده، في واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتشابكاً في الشرق الأوسط، العلاقة مثقلة بتاريخ طويل من الصراع، لم تعد تُقرأ فقط من زاوية المواجهة العسكرية، أو الأمن القومي، بل باتت تُطرح اليوم ضمن سياق أوسع، يرتبط بإعادة تعريف الدولة، ومفهوم المواطنة، وشكل النظام السياسي القادر على استيعاب التعدد القومي والثقافي.
لم يكن مسار السلام والمجتمع الديمقراطي، بوصفه محاولة جديدة لفتح أفق سياسي مختلف، يقوم على الحوار بدل الصدام، وعلى الاندماج بدل الإقصاء، وليد لحظة، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية، واجتماعية، وفكرية، امتدت لعقود، فمنذ بدايات تسعينات القرن الماضي، شهدت القضية الكردية في تركيا، محطات عديدة حاولت فيها الأطراف المعنية الوصول إلى تسويات، إلا إن تلك المحاولات كانت غالبا ما تصطدم بجدار عدم الثقة، وبهيمنة المقاربة الأمنية داخل مؤسسات الدولة، فضلاً عن تعقيدات البيئة الإقليمية التي لم تكن مشجعة على الحلول السلمية.
إعادة رسم موازين القوى
التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط عموماً، وفي تركيا خصوصاً، حملت معها عناصر جديدة تستحق التوقف عندها فمن جهة، شهدت المنطقة تحولات عميقة أعادت رسم موازين القوى، وفرضت على الدول الفاعلة إعادة النظر في سياساتها الداخلية والخارجية.
ومن جهة أخرى، تطورت الرؤية السياسية لدى حركة التحرر الكردستانية، التي انتقلت تدريجياً من طرح يقوم على المواجهة المسلحة، إلى مقاربة تركز على الحلول الديمقراطية، وإعادة بناء العلاقة مع الدولة ضمن إطار قانوني وسياسي جديد، على أن يقوم هذا الإطار على حق المساواة، والعدالة، في جميع مناحي الحياة. في قلب هذا التحول، يبرز الدور المحوري للقائد عبد الله أوجلان، الذي بقي رغم سنوات سجنه الطويلة، حاضراً في صياغة التصورات الاستراتيجية للحل، فقد قدم خلال العقود الماضية مجموعة من المبادرات التي حاول من خلالها نقل الصراع من مستواه العسكري، إلى مستواه السياسي.
فمحاولات السلام بين الجانبين تعود إلى عام 1993، وجميعها انتهت بالفشل، لتتجدد بعدها الحرب، وهذا يُظهر عمق الأزمة وصعوبة القضية، وفقدان الثقة بين الطرفين، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالعقلية القومية السلطوية التركية، وبالانقسامات داخل مؤسسات الدولة، وبالمواقف الإقليمية والدولية، التي ربما ترى مصلحتها في استمرار الأزمة والحرب الممتدة منذ نحو قرنٍ من الزمن.
وفي كل مرة يعيد التأكيد على أن القضية الكردية، لا يمكن حلها إلا عبر تغيير عميق في بنية الدولة وعقليتها، بما يسمح بقبول التعددية والاعتراف بالحقوق، وهو ما جاء في مبادرة السلام والمجتمع الديمقراطي، لتكون امتداداً لنهج طويل سعى لترسيخه من خلال فكر دفع ثمنه باهظاً في مواجهة الدول الرأسمالية والقومية والقمعية. حيث تطرح المبادرة تصوراً يقوم على فكرة الاندماج الديمقراطي، بدل الانفصال أو الهيمنة، ويعني ذلك، في جوهره، بناء نموذج جديد للعلاقة بين الكرد والدولة التركية، يقوم على الشراكة المتكافئة، واحترام الخصوصيات، وضمان الحقوق السياسية، والثقافية، ضمن إطار الدولة الواحدة.
هذا الطرح لا يقتصر على الجانب النظري، بل يسعى إلى ترجمته عبر خطوات عملية تبدأ بوقف العنف، وتمر بالحوار السياسي، وتنتهي بإصلاحات قانونية، ودستورية شاملة، ومع إطلاق هذا المسار، أقدم الجانب الكردي على خطوات غير مسبوقة عكست تحولاً استراتيجياً في مقاربته للصراع. فقد تم الإعلان عن إنهاء الكفاح المسلح، وهو قرار يحمل دلالات عميقة تتجاوز البعد العسكري، ليعبر عن مراجعة شاملة للأدوات والأساليب، التي اعتمدت خلال العقود الماضية، كما تم اتخاذ إجراءات تنظيمية هدفت إلى إعادة هيكلة العمل السياسي، بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، إلى جانب تبني خطاب يركز على مفاهيم السلام والتعايش والديمقراطية.

هذه الخطوات لم تكن سهلة، بل جاءت نتيجة نقاشات داخلية معقدة، وتقديرات دقيقة للمخاطر والفرص، فالتخلي عن العمل المسلح، يتطلب درجة عالية من الثقة بجدوى المسار السياسي، كما يحتاج إلى ضمانات حقيقية بأن الطرف الآخر مستعد بدوره لاتخاذ خطوات مقابلة، ومن هنا، فإن هذه المبادرات تُعد مؤشرًا مهمًا على جدية الجانب الكردي، في السعي نحو حل شامل ومستدام.
في المقابل، يبدو المشهد من الجانب التركي، أكثر تعقيداً، فعلى الرغم من وجود إشارات إيجابية بين الحين والآخر، إلا إن هذه الإشارات لم تتحول حتى الآن إلى سياسة واضحة المعالم، فما تزال المقاربة الأمنية حاضرة بقوة، وما تزال مؤسسات الدولة تتعامل بتباطؤ واضح مع أي تحول من شأنه نجاح المسار.
محاولات إعاقة عملية السلام
مبادرة القائد عبد الله أوجلان، حول السلام، فُتحت نافذة أمل لسلام ديمقراطي بين الكرد وتركيا، ضمن مسار “السلام والمجتمع الديمقراطي”، غير إن غياب الجدية والمماطلة واستمرار سياسات الإبادة من الجانب التركي، تهدد العملية، فيما تبقى حرية القائد عبد الله أوجلان، الشرط الحاسم لنجاح مسار السلام.
سيما وأن مسار السلام، لا يجري في فراغ، بل يتأثر بشكل مباشر بالبيئة الإقليمية والدولية، فالشرق الأوسط، يشهد في الوقت الراهن حالة من إعادة التشكل، حيث تتداخل الصراعات المحلية مع التنافسات الدولية، ما يجعل أي عملية داخلية عرضة للتأثيرات الخارجية، وتبرز مخاوف من سعى بعض القوى إلى عرقلة مسار السلام، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال تغذية التوترات، أو دعم أطراف معينة.
كما إن التطورات في سوريا، لها أبعاد في هذه المعادلة، حيث ترتبط القضية الكردية بسوريا، بشكل وثيق بنظيرتها في تركيا، وبالتالي؛ فإن أي تقدم أو تراجع في أحد المسارين، ينعكس بشكل أو بآخر على المسار الآخر، وهذا ما يجعل من الضروري النظر إلى القضية ضمن إطار إقليمي أوسع، يأخذ في الاعتبار الترابط بين مختلف الساحات.
ففي ظل هذه التعقيدات، تبرز مسألة الثقة كعامل حاسم في تحديد مستقبل العملية، وبدون بناء ثقة متبادلة بين الأطراف، يصعب تحقيق تقدم حقيقي، وهذه الثقة لا تُبنى عبر التصريحات، بل عبر خطوات ملموسة تعكس التزاماً فعلياً بالحل، ومن هنا؛ فإن أي تأخير أو تردد في اتخاذ هذه الخطوات قد يؤدي إلى إضعاف العملية، وربما انهيارها.
ومن بين القضايا التي تكتسب أهمية خاصة، مسألة دور القيادة في توجيه العملية، فوجود شخصية قادرة على لعب دور الوسيط أو الضامن، يُعد عنصراً مهمًا في أي عملية سلام، وفي الحالة الراهنة يُنظر إلى القائد عبد الله أوجلان، كأبرز الفاعلين القادرين على التأثير في مجريات العملية، نظراً لمكانته السياسية، والفكرية، وعلاقته مع مختلف القوى الكردية.
ولذلك فإن مسألة تمكينه من القيام بهذا الدور بشكل فعال، تُعد من القضايا التي تطرح نفسها بقوة في النقاشات الجارية، كما أن تحقيق السلام لا يعني فقط إنهاء العنف، بل يتطلب أيضاً معالجة جذور الصراع، بما في ذلك القضايا الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.
فالمناطق التي شهدت الصراع، تحتاج إلى إعادة إعمار وتنمية، وخلق فرص عمل، إلى جانب برامج للمصالحة المجتمعية، تعيد بناء النسيج الاجتماعي، الذي تضرر بفعل سنوات الصراع، وهذا النسيج لا يمكن ترميمه، او إعادة بنائه، باستمرار ممارسة سياسة الإبادة والتعذيب على القائد عبد الله أوجلان.

اتخاذ خطوات عملية وجادة
الانقسامات داخل الساحة السياسية التركية، والتنافس بين القوى المختلفة، أضافا مزيداً من التعقيد إلى عملية اتخاذ القرار، وإنهاء الإقصاء، ونجاح مسار المبادرة التاريخية التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان، كما إن نجاح أي عملية سلام، يتطلب وجود قاعدة قانونية واضحة، تحدد حقوق وواجبات الأطراف، وتضمن استمراريتها.
غير إن الخطوات التي تم اتخاذها في هذا الاتجاه لا تزال محدودة، ولم ترقَ بعد لمستوى التحديات المطروحة، وهو ما يبرهن أن الدولة العميقة في تركيا، تحاول المتاجرة بالوقت وشرائه، وهذا ما يثير تساؤلات حول مدى استعداد الدولة للانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة حلها. كما أن البرلمان التركي، يجب عليه إعادة تعريف حرية التعبير، وإجراء تعديلات على القوانين، التي من خلالها يتم إقصاء الكرد، بوصفهم خطراً على القومية التركية، ومن هنا تبرز جذور المشكلة، وعلى البرلمان الالتزام بقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة الدستورية التركية. ومع الانتقال إلى المرحلة الثانية من العملية، التي تُعرف بالاندماج الديمقراطي، تتزايد أهمية البعد السياسي للحل، فهذه المرحلة تركز على الحوار والتفاوض، وعلى صياغة رؤية مشتركة لمستقبل الدولة، بما يشمل تعديل القوانين، وإعادة تعريف مفهوم المواطنة. إلى جانب ضمان الحقوق الأساسية، للكرد والشعوب الأخرى، والتعامل مع الكرد على انهم شركاء حقيقيين، في بناء الوطن والحكومة، كما أنها تتطلب إشراك مختلف الفاعلين سياسياً ومجتمعياً، بما يضمن شمولية العملية، تعكس التنوع القائم في تركيا.
هذه الخطوات يجب أن تقوم بها تركيا، ستفتح الباب أمام الثقة المتبادلة، والتعامل مع الضغوط الداخلية والخارجية وهذه التحديات تتطلب مقاربات حذرة ومتوازنة، تأخذ في الاعتبار مختلف الأبعاد، فاللحظة الراهنة تحمل في طياتها فرصة حقيقية للتغيير، والتجارب السابقة رغم فشلها، وفرت دروساً مهمة يمكن الاستفادة منها في تجنب الأخطاء، كما أن التحولات الجارية على المستوى الإقليمي والدولي، خلقت بيئة أكثر ملاءمة للحلول السياسية.
ومن هنا يتبين أن اغتنام هذه الفرصة يتطلب إرادة سياسية واضحة، واستعداداً لاتخاذ قرارات صعبة، وبات من الضرورة بناء عقد اجتماعي جديد، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، عقد يقوم على المواطنة المتساوية، ويعترف بالتعددية، ويضمن الحقوق والحريات، ويؤسس لنظام سياسي قادر على استيعاب التنوع، عبر حوار شامل يشارك فيه مختلف الأطراف.
وفي المحصلة تقف عملية السلام اليوم، أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن تنجح في التحول إلى مسار سياسي مستدام، يقود إلى حل تاريخي، وإما أن تتعثر وتعود الأمور إلى نقطة الصفر، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار في المنطقة، وبين هذين الاحتمالين، يبقى الخيار بيد الأطراف المعنية، وقدرتها على إدراك حجم اللحظة والتصرف بما يتناسب معها.
فالسلام والمجتمع الديمقراطي، ليس مجرد شعار بل هو مشروع يتطلب جهد طويل وصبر، واستعداد لتقديم التنازلات، وهو في الوقت ذاته اختبار على تجاوز إرث الصراعات، وبناء مستقبل قائم على التعايش والشراكة، وفي عالم يتجه نحو مزيد من التعقيد، ورغم صعوبة هذا المسار، يبقى الخيار الأكثر واقعية للخروج من دائرة العنف، نحو أفق أكثر استقرار وعدالة.
No Result
View All Result