No Result
View All Result
جوان عبدال
منذ أن بدأت أوروبا منذ عصر النهضة -في القرن الخامس عشر- بالثورة على الفكر البدائي بالعلم والاستقراء والقرينة، ذلكم الفكر البدائي الذي رسخه الأولون عبر مئات السنين، وقد امتدت الثورة هذه إلى نحو خمسة قرون أُخَر، وكانت الذروة في القرن التاسع عشرة واكتملت بسيطرة التقنية -التكنولوجيا-إلى أن امتدت إلى القرن العشرين –قمم القرون- متمثلة في نظريات جديدة واستجلاء معظم نظريات العلوم إلى التطبيق والاستفادة منها عمليا.
لقد فتح العلم ومشتقاته العيون والأذهان والمخيلة على حقائق كبيرة ومهمة كانت غائبة طويلا عن العقل الجدلي، بعدما طمس على مدى قرون وقرون ـ وقد كان يعزو ذلك لتلك الأيام والعصور الموغلة في جهلها-منذ فجر الحضارة الإغريقية، وبخاصة الفلسفة التي اندحرت أمام سطوة الروحانيات المستوردة من الشرق إليها ذات الفطرة البدائية التي لا تحتاج إلى جدل وتفكر منطقي.
لقد قدمت الروحانيات ويتجلى ذلك في الأديان والمعتقدات الغيبية، أجوبة على أسئلة حيرى عدة بطريقة الملاحظة والاستقراء مما جرى للأمم القديمة رغم هذا لم تقدم أجوبة حاسمة عن الحياة والوجود، وما قدمته كان تصور ذاتي لبعض الظواهر الحياتية للعالم وكينونته يحسها كل فرد بطريقة أو بأخرى.
والآن ونحن نجتاز الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، وبعد تلاقي وتلاقح الحضارات تلك معا وعلى رأسها فتوحات الإسكندر المقدوني، وكورش الفارسي، وقبلهما نبوخذ نصر، وأصبح العالم قرية كبيرة، وامتزجت الرؤى وتشابكت المصالح، انتفت الحاجة إلى القيم والروحانيات القديمة، وذلك لصعوبة تجانسها، وحتمية التعايش السلمي بين الجماعات البشرية الكبرى المعتنقة لها.
باتت الحاجة إلى إيجاد بدائل أخرى، وقواسم مشتركة أكثر رحابة وكفاءة، وإلا فإن الصدام (صدام الحضارات حتمي) وهذا ليس في مصلحة أحد. لذا؛ نرى بعض الروحانيات تقف في وجه الحضارة الأخرى /اللاروحانية إن جاز التعبير/، ونرى مدى شراستها في الدفاع عن هويتها وتراثها دون وعي أو إعمال الفكر، وكان تلك الحضارة تقف ضده وتعاديه.
ففي القديم كانت تسود الأفكار الروحانية بالقوة وتغير المبادئ والقيم والعادات، وإن لم يكن فالترغيب أولا وبالترهيب ثانيا، الترغيب بالجنة الموعودة التي لم يذهب إليها أحد ولم يعد منها أحد، إنما هو تصور إنساني بحت “كما في المقولة: بأن أحد لم ير الله، إنما عرف بالعقل”.. وبالترهيب بالجحيم والنار والإقصاء والإلغاء عبر كل مراحله، وذلك لسوية المجتمع وتنظيمه، وقد جاهدت كل المجتمعات لإقرار معتقداتها وروحانياتها، في بدء الدعوى الى تلك الروحانيات بدءاً في محيطها الضيق إلى أن اتسعت رويدا رويدا وتوسعت أفقيا باسم الفتح والغزو، وفيما بعد باسم التبشير، وقد قدمت من خلاله الخلاص النفسي تدعيما على الجهل والفقر والبؤس، وتحت سيطرة الحاكم الملك الأمير الخليفة الشبيه بالإله وأكثر.
رفدت الحياة بمفهوم عن الكون والحياة والوجود، وهي في أصلها بسط النفوذ والسيطرة على العباد وعلى البلاد في الأول والأخير. كان في انتشار تلك الروحانيات صعوبة بالغة، فقد جاهدت كل المجتمعات في الدفاع عن معتقداتها وروحانياتها، وجوبهت بشراسة وممانعة ورفض بعناد؛ لأن الناس لا تتخلى عن معتقداتها بسهولة، وكان الإنسان في كل مراحل حياته وتاريخه يمانع الجديد والمحدث، كما يحصل الآن ويمانع البعض بحجة الهوية والتراث والخاصية إلخ.. لأن التشبث بالماضي والدعوى للحفاظ على القديم أسهل من تقبل الجديد المحدث.
منذ بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، انتشرت الأفكار الجريئة وظهرت أحيانا في فكر واحد جمعي، كالشيوعية والماسونية والديمقراطية، وأخيرا في العولمة، إلى أواسط القرن العشرين، وكان للشيوعية الريادة في ذلك، ومن ثم الديمقراطية صراع وجودي تمثل في الحرب الباردة بين منظومة الشرق وبين الغرب وتلك التي تدور في فلكهما، وتعممت على مستوى العالم، رغم محاولة البعض الفكاك من هذا التحالف أو ذاك، فكانت دول عدم الانحياز، ولكن لم يفد الأمر شيئا، لأن ذلك لم يكن إلا صوريا، واحتدم الصراع على مستوى العالم دون هوادة مدة خمسين عاما، وما يزال الحبل على الجرار، والنار تشب تحت الرماد إياه.
نعم تتصارع القوى، وكل من موقعه، وتتجاذب الرؤى والأفكار في معمعتها وتشتد أوار النزاعات، ولن تقبل إحداها على نفسها نقضها إلا بانتصارها، قد تكون هدنة، ولكن ليس تنازلا وقبولا، إن تلك التشكيلات التي تمت منذ مئات السنين لن تقبل تطور الحياة بفضل العلم والتقنية وتشابك المصالح وتنامي وتيرة التقدم وشيوع أفكار الحرية والديمقراطية والمساواة وتحرير المرأة، والعالم الواحد أي العولمة إلا بصدام دامٍ.
وكان عصر التنوير إلى أن وصل إلينا ما وصل، فقد تمتعت الحياة بمباهجها وطيبها، وأصبحت في متناول الجميع، وانكسرت شوكة القبيلة وسلطة الأب، وتعددت الرؤى وساد العلم وتحرير العقل والفكر من ريقة الروحانيات المعتقة في دنّها المعشش في الظل.
إن الإرهاصات في هذا العصر عظيمة، ولكن سيعقب ذلك صراع مرير متمثلة بما نشهده من دموية وبخاصة من معتنقي الروحانيات البدائية المتخلفة، مما يلاحظ فيها (أي الروحانيات الموازية للأديان) من خاصية الدفاع عن حياضها بما سنّه الأولون منها للحفاظ على معتقدهم هذا- بدرجة وأخرى ـ، فكلما كان المجتمع منغلقا متقوقعا كان صعب المراس وشرس الهوى عنيف العقيدة، ولن يقبل بالأمر على علاته دون أن يكسر رأسه. ففي كل مراحل التاريخ الإنساني، كان القديم يعد نفسه بأنه الأصل وهو الصحيح والآخرون مخطئون جهلة آثمون، وكل صفات الموبقات والآثام تليق بهم.
وهنا لكلمة صدق، نحن بعيدون، بعيدون جدا عن التأقلم مع الحضارة الحاضرة المتمثلة الممتزجة معا في بوتقة واحدة وهي العولمة، المستمرة رغم أنوفنا، التي ستنتصر لا محالة كأي صراعات تحمل الجديد والمبتكر، ولكن العناد سيستمر وستذهب كثيرا من الجهود هباءً منثورا، من المتصارعين، هؤلاء اللاعبون بمصائر العباد والبلاد.
ت. س. إليوت
أما القول بتفسخ الحضارة الغربية وانهيار قيمها، فهنا سنقسم الموضوع إلى جزأين، فهل كان السبب الحرب العالمية الأولى أما كانت بوادر تنامي بذور عالم الحضارة الصناعية الرأسمالية، أم كان توسع أوروبا ومستعمراتها، أم كان تنامي وتيرة العلم ومبادئ الحرية والديمقراطية، هذا من ناحية، أم كان السبب ما مضى من تاريخها الحضاري المسيحي الهيليني على مدى ألفي عام من ناحية أخرى.
والسؤال عن أي المرحلتين يعني ت. س. إليوت في قصائده بدءاً من “برفروك والأرض اليباب”، فإن كان يعني المرحلة الأولى المتأخرة، فهو ضمنا يذمهما معا، وإن كان يذم الأولى فالأحق معلق به، وهما معا مذمومان، فأي تصحر بعني إليوت؟
فإذا كان برفروك بتلك المواصفات التي تتشابه في كل بقاع العالم، دون تحديد المكان، فإن الهم الوجودي يتمثل الكل فهي ليست أزمة فرد مريض، إنما هو هم وجودي شامل يعم الجميع، وليست كما يصوره البعض بـ: شيخوخة الشباب وتفاهة الحياة الحديثة، وأزمة الشخصية الفردية التي يكابدها في تحولات كبرى في المجتمع الحضاري .. وهذا بعيد التوصيف يشاهد في كل مكان في أي بقعة من العالم.
قد يكون ت. س. إليوت على حق للوهلة الأولى، فهو الذي شهد بداية القرن العشرين وقد تجلت فيه إرهاصات العلم وتطبيقاته على مستوى القارة العجوز، والتي اكتوت بحرب استعملت فيها التقنية، والذي استعملت سوء استعمال للتدمير والخراب، وكان هذا ردا طبيعيا على خواء الروحانية وليس العكس كما استنتج شارحوه. وهذا جيد وهو المحافظ المتمسك بالتقليدي.
No Result
View All Result