مع تبقي أسابيع قليلة على انطلاق أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم، يجد المنظمون في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا أنفسهم في مواجهة بيئة أمنية، هي الأكثر تعقيداً منذ زمن طويل. فقد تلاحقت الأحداث العنيفة في الأسبوع الأخير من نيسان الجاري، بدءاً من الهجوم الدموي الذي وقع عند أهرامات “تيوتيهواكان” المكسيكية، وصولاً إلى الاختراق الأمني الصادم لحفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن.
محاولة اغتيال ترامب
بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونائبه جي دي فانس، وكبار المسؤولين يشاركون في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، تمكن مسلح من اختراق الطوق الأمني الأولي، والاندفاع نحو منطقة الفحص. المفاجأة الكبرى كانت في هوية المهاجم “كول توماس ألين” (31 عاماً) من كاليفورنيا، وهو مدرس سابق حصل على جائزة “مدرس الشهر” في عام 2024. هذا “البروفايل” الهادئ يعكس صعوبة رصد “الذئاب المنفردة”، الذين لا يمتلكون سجلات إجرامية سابقة. كان ألين مسلحاً ببندقية خرطوش ومسدس وعدة سكاكين، وتمكن من إطلاق النار على أحد عناصر الخدمة السرية، الذي نجا بفضل سترته الواقية، قبل أن يتم اعتقال المهاجم. ويضع هذا الاختراق لموقع حصين كما يُفترض ضغوطاً هائلة على تأمين 48 وفداً رياضياً، سيقيمون في فنادق مدنية عبر القارة، بالإضافة إلى الحضور الغفير المرتقب للجماهير.
هجوم الأهرامات
وقبل أيام من حادث واشنطن، شهدت المكسيك هجوماً لا يقل رعباً عند أهرامات “تيوتيهواكان”، الموقع الذي كان مخططاً ليكون محطة رئيسية لجولات المشجعين. فقد قام “خوليو سيزار جاسو راميريز” (27 عاماً) باعتلاء “هرم القمر”، وإطلاق 14 رصاصة بشكل عشوائي على السياح والجنود، مما أسفر عن مقتل سائحة كندية وإصابة 13 آخرين من جنسيات مختلفة، بينهم أطفال. هذا النوع من العنف العشوائي يمثل كابوساً لمنظمي المونديال، حيث يصعب التنبؤ به أو منعه عبر الإجراءات الأمنية التقليدية، التي تعتمد على مراقبة الجماعات المنظمة.
رداً على ذلك، أعلنت الرئيسة المكسيكية “كلاوديا شينباوم” عن خطة لنشر 100 ألف عنصر أمني، وتسيير “دوريات سيبرانية” لرصد المخططات عبر الإنترنت، مع تكثيف التواجد العسكري في المدن المضيفة: مكسيكو سيتي، جوادالاخارا، ومونتيري. وفيما تتصاعد التهديدات الميدانية، تواجه وزارة الأمن الداخلي الأمريكية “إغلاقاً حكومياً جزئياً” دخل يومه الـ65، وهو الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، هذا الشلل أدى إلى تجميد 625 مليون دولار من المنح الأمنية الضرورية للمدن المستضيفة. وقد أعلنت مدن، مثل نيوجيرسي وميامي، أن استمرار غياب التمويل سيجبرها على إلغاء “مهرجانات المشجعين”، لعدم القدرة على تغطية تكاليف العمل الإضافي لرجال الشرطة.
تهديد جوي
وفي المكسيك، يظل عامل الجريمة المنظمة عنصراً متفجراً. فمنذ مقتل رجل العصابات الشهير “إل مينشو” في شباط الماضي، تعيش مدينة جوادالاخارا التي ستستضيف أربع مباريات في المونديال – حالة طوارئ. وأدت عمليات الكارتل الانتقامية لإحراق الحافلات وقطع الطرق، ورغم أن معظم الخبراء يستبعدون استهداف العصابات للمشجعين “بشكلٍ متعمد” لتجنب تدخّل عسكري دولي، إلا أن خطر الانفلات الأمني نتيجة تفتت الكارتل إلى فصائل متناحرة يظل قائماً. وقد نصحت شركات الأمن العالمية مديريها التنفيذيين باستخدام “سيارات مصفحة”، أثناء التنقل في جوادالاخارا خلال فترة البطولة.
كما أصبحت الطائرات المسيرة التهديد الجوي الأول، حيث خصصت السلطات الأمريكية 115 مليون دولار لتقنيات مكافحة الدرونز، وتم إعلان الملاعب “مناطق يُحظر فيها طيران الدرونز بشكلٍ قطعي”، مع تهديدات بملاحقات فيدرالية للمخالفين.
بالتوازي مع ذلك، تطلق منظمات حقوقية مثل “أمنستي” و”هيومن رايتس ووتش” تحذيرات من أن الإجراءات الأمنية قد تتحول إلى “حالة طوارئ حقوقية”، بينما يثير وجود عملاء إدارة الهجرة الأمريكية (ICE) في محيط الملاعب قلقاً من القيام بمداهمات عرقية، أو ترحيل تعسفي للمشجعين، مما قد يفسد الأجواء الاحتفالية للبطولة.