No Result
View All Result
ليلى أحمد
في الرابع من نيسان عام 2013، لم يكن إعلان تأسيس وحدات حماية المرأة (YPJ) مجرد خطوة تنظيمية في ظل ظروف استثنائية، بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة إرادة جديدة، إرادة امرأة قررت أن لا تكون هامشاً في ظل تاريخ يُكتب بدمها، بل أن تكون هي الكاتبة له.
في تلك المرحلة، كانت كوباني مدينة محاصرة، يطبق عليها الموت من ثلاث جهات عبر داعش، فيما تُغلق الجهة الرابعة بابها بوجهها، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أخطر أشكال العنف المنظم. لكن؛ وسط هذا الظلام، خرج صوت المرأة عالياً، لا يطلب النجدة، بل يعلن المقاومة.
لم يكن حمل السلاح خياراً سهلاً، بل كان ضرورة وجودية، فالمرأة التي عانت لعقود من التهميش، وجدت نفسها أمام تهديد وجودي يستهدف جسدها وكرامتها وحياتها. ومن هنا تشكلت النواة الأولى لـ YPJ، ليس فقط كقوة عسكرية، بل كهوية نضالية، وكفكر تحرري يؤمن بأن حرية المجتمع تبدأ من حرية المرأة.
وفي أواخر أيار من العام ذاته، سطّرت أولى صفحات التضحية في مقاطعة عفرين، حين ارتقت الشهيدتان بيريفان نوجان وسلافا عفرين في الاشتباكات مع المجموعات المتطرفة. لم تكونا مجرد شهيدتين في معركة، بل كانتا بداية طريق، كانتا جسراً لعبور آلاف النساء نحو الانخراط في صفوف المقاومة، وقد وُصِفنا في أرشيف وحدات حماية المرأة بأنهما من مهّدتا الطريق لولادة إرادة نسائية لا تُقهَر.
منذ ذلك الحين، لم تعد المرأة متفرجة على مصيرها، بل أصبحت صانعة له، وتشكّلت أولى كتائب المرأة في عفرين بجندريسه، ونظّمت المرأة صفوفها، وأسّست بنيتها العسكرية والسياسية، لتدافع عن أرضها، وعن عرضها، وعن أطفالها، في مواجهة مجموعات متطرفة كداعش، التي حاولت إعادة المرأة إلى عصور الظلام والاستعباد. لكنها أبت الخنوع، ورفضت الخضوع، وكتبت بدمها أروع الملاحم.
لم تكن هذه المقاومة مجرد دفاع، بل كانت مشروعاً للعدالة، عدالة تُجسّدها المرأة في ميدان القتال كما في ميدان الفكر، عدالة تقترب من معنى المساواة الحقيقية بين الجنسين، وتفرض احترامها على العالم أجمع. ومن رحم هذه التجربة، ارتفع شعار “المرأة، الحياة، الحرية”، ليصبح ليس فقط هتافاً، بل فلسفة حياة. لكن، وعلى الرغم من كل هذه التضحيات، لا تزال المرأة المقاتلة في YPJ تواجه تحديات جديدة، لعل أخطرها هو التهميش والإقصاء، وعدم الاعتراف بدورها من قبل بعض الأطراف، وعلى رأسها الحكومة المؤقتة، التي تتجاهل هذه القوة التي أثبتت نفسها ميدانياً وأخلاقياً. إن هذا الإقصاء لا يشكّل فقط ظلماً سياسياً، بل انتهاكاً واضحاً لحقوق المرأة التي كفلتها المواثيق الدولية، وعلى رأسها مبادئ المساواة وعدم التمييز، وحق الشعوب في الدفاع عن نفسها. فكيف يمكن القفز فوق تضحيات آلاف النساء اللواتي دافعن عن الإنسانية جمعاء؟ وكيف يمكن بناء مستقبل دون الاعتراف بمن صنعوا أسس هذا المستقبل؟
من هنا، تبرز ضرورة تحويل هذه التضحيات إلى ضمانات قانونية راسخة. إن إدراج حقوق المرأة المقاتلة والاعتراف بوحدات حماية المرأة كقوة شرعية ضمن أي بنية وطنية قادمة، يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي دستور سوري جديد. فحماية منجزات المرأة ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل واجب أخلاقي وقانوني. كما أن المسؤولية لا تقع على الداخل فقط، بل تمتد إلى الأطراف الضامنة، وإلى المنظمات الحقوقية النسوية في جميع أنحاء العالم. إن دعم المرأة في روج آفا ومساندة وحدات حماية المرأة هو دفاع عن نموذج إنساني متقدم، وعن تجربة أثبتت أن المرأة قادرة على أن تكون قوة للسلام كما هي قوة للمقاومة.
اليوم، ونحن نستعيد هذه الذاكرة، لا نفعل ذلك من باب الحنين، بل من باب المسؤولية؛ مسؤولية الحفاظ على منجزات المرأة، وحمايتها من الضياع، وضمان استمرارها كقوة فاعلة في بناء مستقبل ديمقراطي عادل. إن YPJ ليست مجرد قوة عسكرية، بل هي ذاكرة ألم، وإرادة حياة، ورسالة إلى العالم: أن المرأة التي قاومت، وقدمت، وضحت، لن تقبل أن تُمحى، ولن تسمح أن تُهمّش. هي التي وقفت في وجه الموت لتمنح الحياة معنى… فهل يُعقل أن تُترك اليوم دون اعتراف؟
No Result
View All Result