No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
لم تعد الحروب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد صراعات سياسية أو أمنية بالمعنى التقليدي، بل باتت تعبيرًا مكثفًا عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام العالمي ذاته، فخلف مشاهد الدمار، وتحت ضجيج الخطابات السياسية، تتكشف علاقة مركبة بين الرأسمالية والبيئة، حيث تتحول الطبيعة إلى ساحة صراع، وتصبح الحرب أداة لإعادة توزيع الموارد، لا سيما الطاقة الأحفورية. وفي هذا السياق، يبدو الشرق الأوسط بما يمتلكه من احتياطيات نفطية وغازية هائلة وكأنه قلب هذا التناقض العالمي، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع ادعاءات أخلاقية حول حماية البيئة. 
لقد رسّخ النظام الرأسمالي، خاصةً في نسخته المعولمة، منطقًا يقوم على التوسع المستمر وتعظيم الأرباح، وهو ما يستلزم استهلاكًا متزايدًا للموارد الطبيعية. غير أن هذا التوسع لا يتم دائمًا بوسائل سلمية، بل كثيرًا ما يُعاد إنتاجه عبر الصراع؛ فالحروب في المنطقة لا يمكن فصلها عن السعي إلى السيطرة على مصادر الطاقة، أو تأمين خطوط إمدادها، أو إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بما يضمن استمرار تدفقها. ومن هنا، تتحول الحرب إلى امتداد للاقتصاد، لا انحرافًا عنه.
وتكمن المفارقة في أن هذا الصراع على النفط والغاز يتزامن مع تصاعد الخطاب الغربي حول حماية البيئة ومواجهة التغير المناخي. فمن جهة، تتبنى الدول الغربية سياسات “التحول الأخضر” وتروّج لخفض الانبعاثات، ومن جهة أخرى، تواصل دعم أو خوض صراعات في مناطق غنية بالطاقة الأحفورية، أو تُعيد توجيه سياساتها بما يضمن الوصول إليها، وهذا لا يعكس ازدواجية سياسية فحسب، بل يكشف أيضًا عن حدود الخطاب البيئي عندما يصطدم بمصالح الاقتصاد الرأسمالي؛ حيث تُقدَّم البيئة كقيمةٍ أخلاقية في الداخل، لكنها تُهمل أو تُستغل في الأطراف.
ولا تقتصر آثار هذه الحروب على البشر، بل تمتد لتصيب البيئة ذاتها في عمقها؛ فالقصف والتدمير يؤديان إلى تلويث التربة والمياه، ويقوضان البنية التحتية البيئية، ويُحدثان اختلالات طويلة الأمد في النظم الطبيعية. كما أن تهجير السكان وإعادة تشكيل المجال الجغرافي يحوّلان الأراضي إلى مساحاتٍ مفرغة أو مستنزفة، ما يضاعف من هشاشة البيئة ويزيد من احتمالات الأزمات المستقبلية. وهكذا، تصبح البيئة ضحية مزدوجة: ضحية للحرب، وضحية للنظام الذي يغذيها.
في مواجهة هذا الواقع، تبرز أطروحات بديلة تحاول إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وفي مقدمة هذه الأطروحات، تبرز أطروحة “المجتمع الأيكولوجي” التي يقدمها المفكر عبد الله أوجلان، في إطار نقدي عميق للنموذج الرأسمالي، حيث لا تعد الأزمة البيئية مجرد خلل تقني، بل تعبير عن خللٍ في بنية المجتمع نفسه، حيث لا يمكن تحقيق التوازن البيئي دون إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والاجتماعية على أسس تقوم على الاستدامة والعدالة والمشاركة المجتمعية.
وفي هذا السياق، لا تُعدُّ الطبيعة موردًا يُستنزف، بل شريكًا في الوجود. كما أن أي نموذج تنموي يتجاهل هذا البعد محكوم عليه بإنتاج الأزمات، سواء كانت بيئية أم سياسية؛ الأمر الذي يفرض الدعوة إلى اقتصاد مجتمعي يقلل من الاعتماد على الاستغلال المكثف للموارد، ويعزز من دور المجتمعات المحلية في إدارة بيئتها. ورغم أن تطبيق هذا النموذج في الشرق الأوسط يواجه تحديات كبيرة، فإن أهميته تكمن في كونه يفتح أفقًا مختلفًا للتفكير، يتجاوز منطق الهيمنة إلى منطق التوازن.
الغاية إن حروب الشرق الأوسط تكشف عن مفارقة مركزية في النظام العالمي؛ فبينما يُرفع شعار حماية البيئة، تستمر الصراعات على الموارد التي تُعد من أبرز أسباب تدهورها. وبينما يُروَّج للتحول نحو الطاقة النظيفة، لا تزال الطاقة الأحفورية تشكّل محورًا للصراع والنفوذ. ومن ثم، فإن فهم هذه الحروب يتطلب النظر إليها ليس فقط كأحداثٍ سياسية، بل كجزءٍ من أزمة حضارية أوسع تتعلق بكيفية تنظيم العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
وعليه، لا يكون السؤال الأهم هو كيف يمكن إنهاء هذه الحروب، بل كيف يمكن تجاوز النظام الذي يجعلها ممكنة، بل وضرورية في بعض الأحيان، بل يظل البديل الأيكولوجي محاولة جادة لإعادة التفكير في المستقبل خارج منطق الصراع والاستنزاف.
No Result
View All Result