قال الكاتب والناشط السياسي المستقل محفوظ رشيد: «ستُقلب آخر صفحةٌ من مرحلة دموية سوداء عابرة من تاريخ المنطقة، وستترك وراءها آثاراً عنيفةً وأسراراً مخيفةً وأضراراً كبيرة، وستستغرق فتراتٍ زمنية طويلة حتى يتم محوها فكراً وثقافةً وسلوكاً»، وأشار إلى أن إعلان أمريكا بالإبقاء على مئاتٍ من قواتها (رمزياً) في المنطقة يؤكد على استمرار تواجدها العسكري لحماية المنطقة ومنع حدوث أية تغيرات ملموسة على الأرض، وأن إبعاد تركيا كقوة مشاركة في الحدود الآمنة التي تسعى أمريكا وحلفائها في إنشائها بغطاء أممي في شمال وشرق سوريا يتقاطع مع أجندات روسيا في إقصاء تركيا من المعادلة السورية، وأضاف: «في هذه الأوقات يستبعد استخدام أردوغان العنف الشديد ضد معارضيه أو المنشقين عنه كما يمارسه ضد الأحزاب الكردية واليسارية وغيرها، ونتائج الانتخابات البلدية سترسم خارطة جديدة للمشهد السياسي في تركيا تُحجم فيها غطرسة أردوغان وغروره، مع اقتراب نهاية داعش يتوجب على روسيا حسم الوضع في إدلب وإنهاء النصرة ومثيلاتها من العصابات المسلحة التي تسيطر على مناطقها بمثابة حكومات وإدارات مستقلة».
جاء ذلك في حوار أجراه آدار برس مع محفوظ رشيد الكاتب والناشط السياسي المُستقل، حول اقتراب إنهاء تحرير آخر مناطق يحتلها مرتزقة داعش، والتهديدات التركية المتواصلة لمناطق الإدارة الذاتية، والانتخابات التركية وغيرها من المواضيع الأخرى.
وفيما يلي نص الحوار:
ـ بدأت الحملة الأخيرة ضد مرتزقة داعش بالفعل والإعلان الرسمي عن الانتصار على داعش بات قريباً؛ برأيكم ما التغيرات التي يمكن أن يشهدها شرق الفرات سياسياً وعسكرياً بعد هذا الإعلان؟
بات (داعش) قاب قوسين أو أدنى من النهاية الوخيمة المحتومة بإعلان الحلفاء وقوات سوريا الديموقراطية القضاء على آخر جيب له في الباغوز، وبذلك ستقلب آخر صفحةٌ من مرحلة دموية سوداء من تاريخ المنطقة، وستترك وراءها آثاراً سيئة وأسراراً مخيفةً وأضراراً كبيرة، ستستغرق فتراتٍ زمنية طويلة حتى يتم محوها فكراً وثقافةً وسلوكاً من المجتمعات التي تعرضت أو خضعت لسيطرتها، وستتحول مخلفاتها وبقاياها إلى خلايا نائمة على شكل قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة مهددةً الأمن والسلام والاستقرار. وميدانياً هناك بعض الدواعش المتشددين مصرّين على القتال حتى الرمق الأخير، والبعض الآخر منقسمون بين الهروب والاستسلام، أما المغلوبين على أمرهم من السكان الأصليين والذين لم تتلطخ أياديهم ولم يتورطوا في الانتهاك والإجرام، سيتم إعادتهم ليمارسوا حياتهم الطبيعية في ظل مجالس محلية يتم تشكيلها على غرار باقي المناطق المحررة سابقاً من الرقة ودير الزور، والتي ستكون تابعةً للإدارة الذاتية لمنطقة شمال وشرق سوريا، ومرتبطةً معها مصيريّاً إلى حين تطبيق الحل النهائي للأزمة السورية.
ـ بالرغم من التهديدات التركية بشن عملية عسكرية على شرق الفرات، لكن هناك من يقول إن أمريكا لجمت تركيا بالإبقاء على 200 جندي أمريكي في شرق الفرات، كيف تُقيّمون هذا الكلام؟
إعلان أمريكا بالإبقاء على مئاتٍ من قواتها (رمزياً) في المنطقة يؤكد على استمرار تواجدها العسكري لحماية المنطقة ومنع حدوث أية تغيرات ملموسة على الأرض، تسعى لخلقها أطراف أخرى في الصراع القائم وفي مقدمتهم تركيا تحت ذرائع مختلفة، بالرغم من محاولاتها الجادة والحثيثة من خلال عقد اتفاقات وصفقات مع أطراف الصراع، أمريكا حيناً، وروسيا وإيران عبر لقاءات “سوتشي” حيناً آخر.
ـ في السياق نفسه؛ هناك حديث عن وثائق تملكها روسيا بشأن المحاولة الانقلابية عام 2016 في تركيا، قد تؤدي إلى طوفان ضد العدالة والتنمية حين نشرها، كيف تقرؤون ذلك؟
منذ بداية الأزمة السورية، وتحديداً بعد إسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية تسعى روسيا لابتزاز تركيا واحتوائها واستخدامها لتوسيع الهوة بينها وبين أمريكا من جهة، ومن جهة أخرى لإنهاء المعارضة الراديكالية المسلحة بما فيها النصرة وداعش التي تحتضنها وترعاها، والتي نجحت روسيا في تحقيق هدفيها، وستخسر تركيا هذه الورقة بشكل كامل لاحقاً، وستصبح هذه الخسارة سبباً رئيسياً لإخراجها من المعادلة السورية كلاعب فاعل ومؤثر بعد حسم إدلب عسكرياً، مركز تجمع الفصائل المسلحة بعد نقلها من الغوطة والقلمون والجنوب بموجب اتفاقات ومقايضات روسية – تركية، كما أن إبعاد تركيا كقوة مشاركة في الحدود الآمنة التي تسعى أمريكا وحلفائها في إنشائها بغطاء أممي في شمال وشرق سوريا يتقاطع مع أجندات روسيا في إقصاء تركيا من المعادلة السورية، مهددة أردوغان بالوثائق التي تمتلكها عن الانقلاب الفاشل والتي تدينه، وتتلاقى موقفهما من عدم تكرار الانتهاكات الصارخة التي ترتكبها مرتزقة تركيا بتخطيط وإشراف من أجهزتها الأمنية والعسكرية المحتلة لعفرين المغتصبة بعد أن تم توثيقها وفضحها وإدانتها من قبل المنظمات الإنسانية والحقوقية العالمية لها.
ـ هناك انشقاقات داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا تقوده شخصيات تركية نافذة ضد سطوة الرئيس التركي، برأيكم إلى أي مدى يمكن أن تتطور تلك الانشقاقات، وهل يمكن أن تُقابَل بيدٍ من حديد كما حصل وما زال يحصل في تركيا عقب محاولة الانقلاب المزعومة؟
إن فشل سياسة أردوغان على الصعيدين الداخلي والخارجي، جعلته منبوذاً بالرغم من لعبه على أوتار حساسة لحشد الرأي العام، تحت عناوين مكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي التركي، وهنا لابد من الدولة العميقة التدخل لإيجاد البديل عنه من نفس مدرسته الحزبية (عبدالله غول وأحمد غول لاستمرار ذات النهج الهجيني (الإسلامي- العثماني) في حكم تركيا، وبالتالي يستبعد استخدام أردوغان العنف الشديد ضد معارضيه أو المنشقين عنه كما يمارسه ضد الأحزاب الكردية واليسارية وغيرها، ونتائج الانتخابات البلدية سترسم خارطة جديدة للمشهد السياسي في تركيا (تُحجم فيها غطرسة أردوغان وغروره)، وستجعلها أمام خياراتٍ أبسطها تبني سياسة النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية والعودة إلى سياسة تصفير المشاكل مع الجوار، وعدم مواجهة حلفائها التقليديين في الناتو لتجنب الفوضى الخلاقة التي ستهدد أركانها في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والمشاكل الأمنية مع تغول الإسلام السياسي المتطرف في مفاصل الدولة التركية ومؤسساتها.
ـ إدلب واتفاق إدلب مهددان بالسقوط في أي لحظة، فالنظام السوري لازال حتى اليوم يقصف هذه المناطق ويهدد باسترجاعها، برأيكم إلى متى يمكن أن يستمر هذا الاتفاق؟
في إطار التوافق الأمريكي- الروسي لتطبيق الحل السياسي على أساس القرار الأممي 2254 يسعى الطرفان للقضاء على التنظيمات الإرهابية المسلحة وإنهاء العمليات العسكرية، وتهيئة الظروف والأرضية لتنفيذ بنوده، فمع اقتراب نهاية داعش في شرق الفرات؛ يتوجب على روسيا حسم الوضع في إدلب وإنهاء النصرة ومثيلاتها من العصابات المسلحة التي تسيطر على مناطقها بمثابة حكومات وإدارات مستقلة، وما تحشيدات الجيش السوري وقصفه للمناطق المنزوعة السلاح من إدلب (المتفقة عليها) إلا بمثابة تهديد جدي لتركيا لنسف الاتفاق الذي تماطل في تنفيذ بنوده، واستعادة إدلب بالقوة إلى مناطق نفوذ النظام.