No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
“قاضي محمد” من أبرز الشخصيات في التاريخ السياسي الحديث لشعبنا الكردي، إذ ارتبط اسمه بتأسيس جمهورية كردستان الديمقراطية في “مهاباد” عام 1946 والتي شكّلت أول محاولة معاصرة لإقامة كيان كردي في روجهلات (شرق كردستان)، وعلى الرغم من قصر عمر هذه التجربة (330 يوماً)، إلا إن شخصيته، بقيت رمزاً للنضال القومي لشعبنا الكردي في مختلف أرجاء كردستان، والتحولات السياسية التي شهدتها المنطقة في منتصف القرن العشرين.
لا تكمن أهمية شخصية “قاضي محمد”، في إعلان أول جمهورية كردستانية في تاريخنا الحديث فقط، بل في الموقف الأخلاقي والسياسي الذي اتخذه في لحظة سقوطها، حين رفض الهروب رغم إلحاح “الملا مصطفى بارزاني”، مفضلاً البقاء مع شعبه ومشاركة مصيره، فصار رمزاً يتجاوز حدود السياسة إلى فضاء القيم والتضحية.
النشأة والخلفية الاجتماعية
وُلد القاضي محمد عام 1901 في مدينة مهاباد (صابلاغ سابقاً)، في أسرة دينية مرموقة تنتمي إلى طبقة القضاة والعلماء، وقد ورث عن عائلته مكانة اجتماعية ودينية مرموقة بين أبناء شعبنا ليس فقط في مهاباد بل في مختلف مناطق روجهلات، حيث كان والده وجده من رجال الدين المعروفين، وهو ما أتاح له تعليماً تقليدياً في العلوم الشرعية والفقه الإسلامي.
هذا التكوين الديني لم يمنعه من الانفتاح على القضايا السياسية والقومية، بل أسهم في تشكيل رؤيته التي جمعت بين الشرعية الدينية والهوية القومية الكردية، فقد كان يدرك أن القيادة في مجتمع تقليدي مثل المجتمع الكردي آنذاك تتطلب الجمع بين النفوذ الاجتماعي والقدرة على التعبئة السياسية.
دخوله معترك العمل السياسي
وبدأ “قاضي محمد” نشاطه السياسي في ثلاثينات القرن العشرين، في مرحلة كانت فيها إيران تحت حكم رضا شاه بهلوي، الذي انتهج سياسة مركزية صارمة سعت إلى تقليص نفوذ القوميات غير الفارسية، ومنها الكرد، حيث برز كأحد أشدّ المدافعين عن الحقوق الثقافية والسياسية لشعبنا الكردي، دون أن يتبنى أي توجه سياسي معين. ولكن؛ مع تصاعد التوترات الإقليمية خلال الحرب العالمية الثانية، ودخول قوات الجيش الأحمر السوفييتي إلى شمال روجهلات كردستان والإنجليز إلى الجنوب، وضعف الحكومة المركزية في طهران، إلى جانب انضمامه إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، بدأ يميل إلى فكرة الحكم الذاتي أو الاستقلال.
تأسيس جمهورية كردستان الديمقراطية
وشكّلت نهاية الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، نقطة تحول حاسمة في مسيرة “قاضي محمد”، فقد أدى تواجد القوات السوفياتية في شمال روجهلات كردستان وإيران، والقوات البريطانية في جنوب إيران وغربها، إلى إضعاف سلطة الشاه رضا بهلوي والحكومة المركزية في طهران، الأمر الذي أتاح فرصة تاريخية للشعبين الكردي والأذري على وجه الخصوص.
وأُعلن “قاضي محمد” يوم 22 كانون الثاني عام 1946 في ساحة جار جرا (القناديل الأربعة) في مهاباد عن تأسيس جمهورية كردستان الديمقراطية ذات الحكم الذاتي، فيما انتخب رئيساً للجمهورية، وحكومة برئاسة “بابا شيخ” ضمت العديد من الوزراء، وشارك الملا مصطفى البرزاني في التأسيس حيث قاد القوات العسكرية للجمهورية.
التحديات وسقوط الجمهورية
ولم تعمّر جمهورية كردستان الديمقراطية في مهاباد طويلاً، إذ كانت محاطة بتحديات داخلية وخارجية كبيرة، داخلياً لم تتوسع في المناطق الأخرى من روجهلات وبقيت محصورة في مهاباد وعدة مدن في محيطها (نغدة، أشنوه، بوكان)، بينما كانت مدن (أورميه، سلماس، خوي،) متنازع عليها مع أذربيجان، أما القسم الجنوبي فكان تحت نفوذ الإنجليز (سننداج، همذان، كرمنشاه، ايلام)، بالإضافة إلى سيطرة الإقطاع ورجال الدين خارجياً، وكان لانسحاب قوات الجيش الأحمر السوفييتي الأثر الكبير في انهيار معنويات الجمهورية كونها كانت الداعم الرئيسي لها.
وفتح انسحاب القوات السوفييتية، المجال أمام الجيش الإيراني للتقدم باتجاه أراضي الجمهورية من أجل استعادة السيطرة، وفي 17 كانون الأول 1946 دخلت القوات الإيرانية بقيادة الجنرال همايوني مدينة مهاباد، لتنتهي بذلك تجربة أول جمهورية في تاريخ كردستان المعاصر بعد أقل من عام على تأسيسها.
موقف “قاضي محمد” بين البقاء والرحيل
وأدرك الملا مصطفى بارزاني خطورة الموقف، فعرض على “قاضي محمد” الانسحاب معه، سواء إلى الجبال أو إلى خارج البلاد قبل وصول القوات الإيرانية إلى مهاباد، كان عرض البارزاني يسعى من أجل الحفاظ على القيادة، وإعادة تنظيم الصفوف، ومواصلة النضال لاحقاً، وقد اختار البارزاني هذا المسار بالفعل، ليواصل كفاحه في مراحل لاحقة، لكن “قاضي محمد” رفض الانسحاب مصرّاً على البقاء في المدينة وتحمل المسؤولية.
وكان هذا الخيار يحمل في طياته الكثير من المعاني والقيم الإنسانية الخالدة، وما قاله الرئيس الشهيد حول هذا الأمر: “كيف أترك شعبي وأهرب؟ أنا مسؤول عن هؤلاء الناس، ولن أكون سبباً في معاناتهم. إذا رحلت، سيُعاقَب الأبرياء… سأبقى معهم”، هذا القرار لم يكن انفعالاً، بل موقفاً نابعاً من فهم عميق لدور القيادة.
موقف تاريخي
ويمثّل موقف “قاضي محمد” نموذجاً لما يمكن تسميته “القيادة الأخلاقية” والتي تتضمن عدة نقاط أبرزها:
– وحدة المصير: إذ لم يرى نفسه منفصلاً عن شعبه، بل جزءاً منه.
– رفض الامتياز الشخصي: أي رفض النجاة الفردية على حساب الآخرين.
– التضحية الواعية: حيث أنه كان مدركاً أن قراره قد يؤدي إلى إعدامه، لكنه قبله.
وهذا النوع من المواقف هو ما يحوّل القادة إلى رموز تاريخية، خاصةً عندما يسعون إلى تخفيف قسوة الانتقام من شعبه من خلال تقديم نفسه، وعدم السماح بانهيار معنويات شعبه من خلال هروبه، بالإضافة إلى الحفاظ على شرعيته الشعبية حتى لحظاته الأخيرة.
الاعتقال والمحاكمة الصورية
وبعد دخول القوات الإيرانية، اعتقل “قاضي محمد” مع عدد من رفاقه، ونُقل إلى طهران، حيث خضع لمحاكمة عسكرية صورية، إذ كانت نتائجها محسومة مسبقاً، ووُجهت إليه تهم التمرد والانفصال، وصدر بحقه حكم بالإعدام، فما لم تُتح له فرصة حقيقية للدفاع عن نفسه، في ظل مناخ سياسي معادٍ لأي تعبير عن الطموح القومي للشعب الكردي.
الإعدام ونهاية الرئيس وبداية الرمز
وفي يوم 31 آذار 1947، نفذ حكم الإعدام شنقاً بحق “قاضي محمد” وابن عمه محمد حسين سيف قاضي، وأخيه أبو القاسم صدر قاضي في ساحة (جارجرا) بمدينة مهاباد، التي أعلن منها قيام الجمهورية قبل أكثر من عام في مشهد ترك أثراً عميقاً في الذاكرة الجماعية الكردية.
وتحوّل “قاضي محمد” بعد إعدامه إلى رمز وطني خالد، يجسد معاني التضحية من أجل الحرية والكرامة، يُستحضر كنموذج للقيادة الصادقة، يُستخدم كمعيار أخلاقي في تقييم القادة، يُخلَّد في الأدب والخطاب السياسي، وقد ساهم هذا القرار في تخليد اسمه أكثر من أي إنجاز سياسي آخر.
فكره السياسي ورؤيته الثاقبة
ولم يكن “قاضي محمد” مجرد زعيم سياسي، بل كان صاحب رؤية ثاقبة حاول من خلالها التوفيق بين عدة عناصر معاً، القومية الكردية من خلال الدفاع عن حقوق شعبنا الكردي العادلة وهويته الثقافية، ومن جهة أخرى، الشرعية الدينية، حيث تم الاستفادة من مكانته كعالم دين لكسب التأييد الشعبي، بالإضافة إلى العمل المؤسساتي عبر السعي لبناء دولة حديثة قائمة على القانون والإدارة، وقد تميز خطابه بالاعتدال مقارنة ببعض الحركات اللاحقة، إذ لم يكن يسعى بالضرورة إلى صدام شامل، بل إلى تحقيق مكاسب تدريجية ضمن توازنات معقدة.
الإرث التاريخي
ورغم مرور عقود من الزمن على إعدامه، ما يزال اسم “قاضي محمد” يحتل مكانة مركزية في الوعي الكردي، فهو يُنظر إليه باعتباره أول رئيس لأول جمهورية كردستانية في روجهلات كردستان (شرق كردستان)، حيث أصبح رمزاً للوحدة الكردية، من خلال تعاونه مع شخصيات من مختلف أجزاء كردستان، كما أنه مثال للقائد الذي رفض الهروب والنجاة من حبل المشنقة، مفضّلاً البقاء مع شعبه حتى النهاية.
وأصبحت تجربة جمهورية كردستان الديمقراطية في مهاباد، مرجعاً للحركات السياسية الكردية اللاحقة، سواء في روجهلات كردستان، أو في الأجزاء الأخرى، حيث يتم الإشادة بها كدليل على إمكانية قدرة الكرد على إدارة أنفسهم في ظل دولة مستقلة عن الأنظمة الغاصبة والمحتلة لكردستان.
وختاماً يمكننا القول، مسيرة “قاضي محمد”، تعكس مرحلة مفصلية من تاريخ شعبنا الكردي الحديث، فقد تداخلت عوامل محلية، إقليمية، ودولية لخوض غمار تجربة سياسية فريدة من نوعها في المنطقة، وهي تأسيس أول جمهورية في تاريخ كردستان المعاصر، وعلى الرغم من العمر القصير للجمهورية (330 يوماً) إلا إنها شكّلت حجر أساس لنضال شعبنا الكردي في مختلف أجزاء كردستان من أجل الحصول على حقوقهم المشروعة.
فإن إرث الجمهورية المتمثل في شخصية رئيسها، ما زال حاضراً وبقوة في النقاشات السياسية الكردية المعاصرة، لقد جسّد “قاضي محمد” طموح شعب يسعى إلى الاعتراف بهويته وحقوقه، ودفع حياته ثمناً لهذا الطموح، وبينما تتغير الظروف عبر الزمن، يبقى اسمه مرتبطاً بفكرة لم تفقد حضورها، (حق الشعوب في تقرير مصيرها) ضمن سياق معقد من التوازنات السياسية.
No Result
View All Result