No Result
View All Result
إسحاق شعيّر
تشهد المنطقة اليوم لحظةً تاريخية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية بطريقة تجعل المشهد السياسي أشبه برقعة شطرنج واسعة تتحرك فوقها القوى الكبرى بحذرٍ بالغ، بينما تجد الدول الإقليمية نفسها مضطرةً إلى اتخاذ مواقف صعبة بين حسابات الأمن والمصالح والوجود.
في هذا السياق، يبدو أن الدور التركي يتجه نحو محاولة تعطيل مسارات تصعيدية خطيرة كانت تدفع باتجاه توسيع نطاق الصراع من الساحة السوريّة إلى اللبنانية، وهو مسار لو تحقق لفتح أبواب مواجهة إقليمية واسعة يصعب احتواء تداعياتها. كما أن التحركات المرتبطة بالساحة العراقية، واستهداف بعض المواقع العسكرية الحساسة فيها، تعكس محاولة لإعادة رسم موازين القوة على خطوط التماس الممتدة من الأنبار حتى الحدود السورية. ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن المسألة الكردية التي ما تزال تمثل أحد المفاتيح الأساسية في معادلة الصراع. إذ إن منع انتقال التوتر إلى الداخل الإيراني عبر البوابة الكردية، وتوظيف ملفات الأسرى والضغط السياسي والأمني، كلها أدوات تستخدم ضمن لعبة توازن دقيقة تحاول الأطراف المختلفة من خلالها الحفاظ على أوراق تفاوضية قبل أي مواجهة محتملة.
في المقابل، تبرز محاولات إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة عبر مشاريع خطوط الطاقة والممرات التجارية كعامل حاسم في تفسير كثير من التحركات السياسية والعسكرية. فالصراع لم يعد صراع حدود فقط، بل أصبح صراع طرق وأنابيب وممرات استراتيجية تتحكم بمستقبل الاقتصاد العالمي، من شرق المتوسط إلى آسيا الوسطى مروراً ببلاد الشام والعراق. كما أن الحديث المتصاعد عن ممرات بديلة للمضائق البحرية التقليدية يعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الدولية بأن السيطرة على تدفقات الطاقة تعني السيطرة على مراكز التأثير العالمي. ولهذا؛ فإن أي مشروع يربط الخليج بالبحر المتوسط عبر مسارات برية جديدة سيغيّر معادلات النفوذ لعقودٍ طويلة قادمة. 
وفي الداخل السوري، يبدو أن التباينات بين مراكز القرار المختلفة تعكس حجم الضغوط المتعارضة التي تتعرض لها الدولة، بين حسابات التحالفات الإقليمية ومتطلبات الواقع الميداني. فالدخول في مواجهة جديدة خارج الحدود قد يمنح مكاسب مؤقتة، لكنه في المقابل يحمل مخاطر انزلاق المنطقة إلى صراعٍ طائفي واسع لا يمكن التحكم بنتائجه.
أما التصعيد الإعلامي والسياسي المتبادل بين بعض القوى الدولية والإقليمية حول ملفات التفاوض والهدن والأموال، فيمكن قراءته ضمن سياق أوسع يتعلق بمحاولات إعادة ترتيب التوازنات داخل بعض الأنظمة نفسها، وتهيئة الأرضية لتحولات داخلية قد تكون جزءاً من إعادة تشكيل المشهد الإقليمي برمّته.
ومن جهة أخرى، فإن الضربات المتكررة بالطائرات المسيّرة والصواريخ في بعض مناطق العراق تشير إلى وجود تفاهمات غير معلنة بين أطراف إقليمية تسعى إلى إبقاء ساحات محددة مشغولة بذاتها، لمنع انتقال تأثير الصراع إلى ساحات أخرى أكثر حساسية. هذه الاستراتيجية تقوم على إدارة التوتر لا إنهائه، وعلى ضبط التصعيد لا منعه.
في الوقت ذاته، يبدو أن هناك إدراكاً خليجياً متزايداً لطبيعة التحولات الجارية في المنطقة، وهو ما يفسر الحذر الكبير في اتخاذ مواقف مباشرة من أي مواجهة واسعة محتملة. فالانخراط في حرب إقليمية مفتوحة قد يغيّر شكل التوازنات الاقتصادية والأمنية في المنطقة بصورةٍ يصعب التنبؤ بنتائجها. أما الحديث عن احتمال انتقال التوتر إلى مضائق بحرية جديدة، مثل مضيق البوسفور، فيعكس مخاوف متنامية من توسع رقعة الاستهداف الاستراتيجي ليشمل نقاطاً حيوية في حركة التجارة العالمية، وهو ما سيجعل أي تصعيد مستقبلي ذي تأثير دولي مباشر، وليس إقليمياً فقط.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من إعادة التموضع السياسي والعسكري، حيث تسعى القوى الكبرى إلى إضعاف خصومها قبل الانتقال إلى مراحل أكثر حساسية من الصراع، قد تشمل تحركات برية محدودة أو إعادة رسم خرائط النفوذ في بعض المناطق الحدودية الحيوية. إن ما يجري اليوم ليس مجرد سلسلة أحداث منفصلة، بل هو جزء من عملية إعادة تشكيل شاملة للنظام الإقليمي.
وربما يكون الدرس الأهم في هذه المرحلة أن الصراعات الحديثة لم تعد تُحسم في الميدان فقط، بل تُحسم أيضاً في خطوط الطاقة، والممرات التجارية، والتحالفات المتحركة، والقدرة على قراءة التحولات قبل وقوعها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل تتجه المنطقة نحو مواجهة كبرى تعيد رسم خرائطها السياسية، أم أن توازن الردع المتبادل سيستمر في فرض معادلة “التصعيد المحسوب” التي تمنع الانفجار الشامل وتؤجل الحسم إلى زمن آخر؟
No Result
View All Result