محمد خلف
بقناعة عميقة يبدو أن الطبيعة قد دخلت مرحلة من الاضطراب قد تقود إلى نوع من الانهيار الذاتي؛ ليس لأنها ضعيفة بل بسبب وجود كائن فيها لم يعد يعترف بأنه جزء منها بل يتعامل معها كوسيلة للاستغلال فقط، هذا الكائن هو الإنسان الذي تناسى أن الطبيعة وجدت متكاملة ومتوازنة في نظام دقيق يحافظ على استمرارية الحياة وجمالها.
إن هذا الاستغلال المستمر يجعل النظام الطبيعي في حالة اختلال وقد يقود إلى كوارث غير مسبوقة، مدن قد تختفي، وسماء قد تغيب خلف دخان كثيف، واختلالات بيئية قد تصل إلى حد فقدان التوازن في الهواء والماء وكأن الطبيعة، في لحظة ما ستواجه الإنسان برد فعل يعيد التوازن الذي كسره، في مشهد يشبه الطوفانات الكبرى التي وردت في التاريخ، فالطبيعة قائمة على التوازن، وأي خلل فيها يقود إلى رد فعل يعيد هذا التوازن، ويمكن تشبيهها بجسم الإنسان إذ إن أي اضطراب في جزء منه قد يؤدي إلى انهيار شامل ويسمي أحيانا بالسرطان لأن السرطان ليس مرضا إنما خلل في النظام، كذلك الأمر في الكون، حيث تتحرك الكواكب بدقة، وأي خلل بسيط قد يؤثر في النظام بأكمله، هذا الترابط يؤكد أننا لسنا خارج الطبيعة، بل جزء لا يتجزأ منها.
ورغم ذلك يواصل الإنسان تجاوزاته من تغيير مجاري الأنهار، إلى قطع الغابات، إلى تلويث الهواء بدافع الجشع والسعي وراء المال حتى كاد المال أن يصبح إلاها، حتى أصبح العقل البشري الذي كان يفترض أن يكون أداة إصلاح سببا في الاختلال، ومع تصاعد هذه الأزمات، لا تقتصر التحذيرات على المؤشرات البيئية فقط، بل تظهر أيضا في الخطابات السياسية والفكرية فقد أشار القائد عبد الله أوجلان في رسائله، سواء في بداياتها أو في مواقفه الأخيرة، إلى احتمالية وقوع كوارث ومجازر في بعض المناطق، محذرا من مسار تصعيدي قد يقود إلى دمار واسع وفي أحدث دعواته ونداءاته، شدد على ضرورة الابتعاد عن الحروب الجارية، معتبرا أن هذه الحروب لا منتصر فيها، وأن النجاة الحقيقية ستكون لمن يتمكن من البقاء بعيدا عن دوامة الفناء وبعض الجهات معتقدا هي تنازلات،
هذا الطرح يعيدنا إلى فكرة أعمق أن الصراعات البشرية، مثلها مثل الاعتداء على الطبيعة، تحمل في داخلها بذور انهيارها فحين تبلغ القوة ذروتها دون توازن، تبدأ باستهلاك نفسها بنفسها كمثل الافعى تأكل نفسها من ذيلها، وكأننا أمام طوفان من نوع آخر ليس بالضرورة ماء، بل سلسلة من الأزمات والحروب والانهيارات، وفي هذا السياق، يصبح تشبيه المرحلة بطوفان النبي نوح عليه السلام ذا دلالة رمزية حيث لا يكون النجاة للأقوى، بل للأكثر وعيا وقدرة على تجنب الهلاك ،فكما أن من نجا في ذلك الطوفان كان من أدرك الخطر واستجاب له، فإن النجاة اليوم قد تكون لمن يبتعد عن مسارات التدمير، سواء كانت بيئية أو عسكرية، وهنا يبرز تساؤل جوهري، هل يستطيع الإنسان تغيير مساره؟
ربما الطبيعة قادرة على إعادة بناء ذاتها مهما حدث، لكنها قد تفعل ذلك دون الإنسان، فالطبيعة لا تحتاج إلى الإنسان ليستمر وجودها لأن الطبيعة وجدت قبل الانسان، لكن الإنسان يحتاجها ليبقى، ومن هنا يظهر خياران واضحان، إما أن يعيد الإنسان علاقته بالطبيعة، ويبتعد عن الحروب والصراعات التي تزيد من تعقيد الأزمة، أو يستمر في مساره الحالي، مما قد يقوده قريبا إلى هلاكه، بينما تبقى الطبيعة وتستعيد توازنها بدونه، إن استمرار الوضع الحالي لا ينذر فقط بكارثة بيئية، بل بكارثة شاملة قد تجمع بين انهيار الطبيعة وتصاعد الصراعات البشرية. وفي مثل هذه اللحظات، قد لا يكون السؤال من سينتصر؟
بل من سيبقى بوعي مجتمعي؟