No Result
View All Result
بدرخان نوري
في أحدِ الشعانين هذا العام لم تصدحِ الفرق النحاسيّة، ولم تخرج فرق الكشافة بلباسها الموحّد في عرضٍ تجوبُ أزقة دمشق القديمة، فغابتِ المظاهر الاحتفاليّة فلم يحملِ الأطفالُ أغصان الزيتون، فيما خيمت حالة قلقٍ وترقبٍ، واقتصر إحياءُ المناسبة على طقوسٍ كنسيّة محدودة لم تتجاوز عظاتِ المطارنة والقساوسة والدعاء أن يحلّ السلامُ على سوريا. بل خرجتِ الجموعُ عشية العيد منددةً بالأحداث التي وقعت في مدينة السقيلبيّة ذات الأغلبيّة المسيحيّة.
إلغاء الاحتفال بأحد الشعانين
في إجراء غير مسبوقٍ أعلنت كبرى المرجعيات والبطريركيات الكنسيّة في دمشق ومدن الساحل السوريّ، إلغاءَ المظاهر الاحتفاليّة الخارجيّة المتزامنة مع “أحد الشعانين” وعيد الفصح لعام 2026، واقتصرت الاحتفالات على الصلوات فقط في حصرها داخل حرم الكنائس. في إجراءٍ أمنيّ صريح عقب التوترات المسلحة التي شهدتها مدينة السقيلبية.
وجاء هذا القرار الجماعي عبر بيانات رسميّة منفصلة، صدرت السبت 28/3/2026، وشملت بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك بدمشق، وأبرشية دمشق للسريان الكاثوليك، إضافة إلى أبرشية اللاذقية وطرطوس وتوابعهما (صافيتا ووادي النصارى).
توافقت البيانات الكنسية التي صدرت على أن قرار إلغاء الاحتفالات والتهاني الرسميّة والمسيرات الكشفيّة. وجاء في بيان بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك: “نظراً إلى الأوضاع الراهنة غير المشجعة، قررنا بالتنسيق والاتفاق مع سائر الكنائس أن تقتصر الاحتفالات الفصحيّة لهذا العام على الصلوات فقط في داخل الكنائس”. وأن الرئيس البطريرك يوحنا العاشر تابع شخصياً الأحداث التي شهدتها المدينة من اعتداءات على الممتلكات وأعمال عنف طالت السكان، مشدداً على أن هذه الحوادث غالباً ما تُبرر بوصفها أعمالاً فردّية، لكنها ليست بالضرورة كذلك. ودعت البطريركية الجهات المختصة إلى فتح تحقيق رسميّ ومحاسبة المتورطين، وإبلاغ البطريركيّة بنتائج التحقيق، إضافة إلى تعويض المتضررين والعمل على منع تكرار مثل هذه الأحداث عبر ضبط السلاح المنفلت وحفظ السلم الأهليّ بمؤسسات الدولة وحدها.
وأكّدت أبرشيّة دمشق للسريان الكاثوليك في تعميمها على أنّ الخطوة تأتي “حرصًا على أمن وأمان رعايا الأبرشية”، في إشارة واضحة إلى القلق من تداعيات الفلتان الأمنيّ الذي شهدته مدينة السقيلبيّة.
فيما أوضحت أبرشية اللاذقية وطرطوس في توجيهها الصادر من صافيتا، أنّ المنطقة لم تعد تشهد “مناخًا مواتيًا” للاحتفال بالأعياد بشكلٍ باهر كما كان معتادًا في السنوات الماضية. وأكدت منع عزف الكشافات الشبيبة وحمل الرايات في الشوارع، وتوجيه المؤمنين لحصر الاحتفالات بالبهجة الروحيّة والصلوات لأجل “خير الرعية والعيش بسلام وطمأنينة”.
وفي أجواء حذرة شهدت كنائس دمشق إقامة قداديس أحد الشعانين، وترأس بطاركة ومطارنة الصلوات في عدد من الكنائس، بينها كاتدرائية سيدة النياح للروم الملكيين الكاثوليك، ومطرانية مار بولس للسريان الكاثوليك، وكنيسة سلطانة العالم للأرمن الكاثوليك، إلى جانب كنائس أخرى. وانتشرت قوى الأمن الداخليّ في مدينة معلولا بريف دمشق، لتأمين الكنائس مع توافد المصلين لإحياء المناسبة، وضمان سلامة المشاركين في القداديس. وتضمنت عظات العيد دعوات إلى السلام والمحبة، مع تأكيدات على ضرورة أن تنعم سوريا بالأمن والاستقرار، في ظل التحديات التي تواجه مختلف شعوبها.
أحد الشعانين، عيد مسيحيّ يُحتفل به قبل أسبوع من عيد القيامة، ويُعرف أيضاً باسم الأحد السابع من الصوم الكبير أو أحد الخلاص. ويحيي هذا اليوم، ذكرى دخول يسوع المسيح إلى مدينة أورشليم قبل صلبه، عندما خرج الناس لاستقباله محتفلين فأُطلقت الزغاريد وفي الأيدي حُملت أغصان الزيتون، وسعف النخيل، ورددوا “هوشعنا”، وهذه الكلمة العبريّة أصل تسمية “الشعانين” وتعني “يا رب خلّصنا”. ويُعدّ بداية أسبوع الآلام لدى المسيحيين، وينتهي بعيد القيامة.
توتر وأعمال عنف
جاء الاستنفار الكنسيّ نتيجة مباشرة للاشتباكات المسلحة التي اندلعت الجمعة في مدينة السقيلبية بريف حماة الغربي بين مجموعات محليّة مسلحة، وأدى إلى وقوع إصابات وخلق حالة ذعر بين المدنيين وتسبب بإغلاق المحال التجاريّة وأوقفت الفعاليات الاقتصاديّة، قبل أن تتدخل وحدات عسكريّة وأمنيّة وتفرض حظر تجولٍ مؤقت لضبط الأوضاع الأمنيّة.
وبحسب المرصد السوريّ لحقوق الإنسان فقد بدأت الأحداث مع شخصين غريبين في شارع المشوار في المدينة وأقدمَا على التحرش بعدد من الفتيات، ما دفع شباناً من أبناء المنطقة للتدخل ومنع الاعتداء، لتندلع على إثر ذلك مشاجرة حادة، أقدم خلالها أحد المعتدين على إشهار قنبلة مهدداً الحاضرين قبل أن يلوذ مع شريكه بالفرار.
ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى دخلت المدينة أرتالٌ من أبناء القرى المجاورة وبخاصة قلعة المضيق بينهم مسلحون ملثمون قادمون من قلعة المضيق وطافوا الشوارع الرئيسيّة ووقعت مشاجرة جماعيّة. وقام المهاجمون بأعمال شغب وتخريب لمحالٍ تجارية، وامتدت أعمال العنف لتشمل تخريب عدد من المقاهي والكافتيريات كما اعتدوا على مدنيين وأطلقوا النار لترويع الأهالي ما أدى إلى إصابة عدد من الأشخاص، وُصفت بعضها بالخطيرة، الأمر الذي استدعى تدخل قوى الأمن الداخلي التي تمكنت من احتواء الأوضاع. وبحسب مصادر محليّة فقد تم توقيف ستة أشخاص على خلفية الأحداث.
وفق الرواية الرسميّة فقد أرجعت مديرية الإعلام في محافظة حماة التوترات التي شهدتها السقيلبية، إلى ما وصفته بـ”شجار فرديّ بين عدد من الشبان، تطور بشكلٍ محدودٍ قبل أن تتدخل قوى الأمن الداخليّ”، مشيرة إلى أنّ قوى الأمن عملت على “احتواء الوضع بشكلٍ فوريّ وإعادة الاستقرار إلى المدينة”.
احتجاجات في ظل التهدئة
وعقب التهدئة، شهدت السقيلبية خروج الأهالي في وقفة احتجاجيّة، عبّروا فيها عن رفضهم المطلق لفوضى السلاح وتكرار الصدامات المسلحة التي تروّع السكان وتؤثر على أمنهم وأعمالهم. وتمحورت مطالب المحتجين على ضرورة ضبط “السلاح المنفلت” وحصر القوة الأمنيّة بالمؤسسات الرسميّة ومحاسبة المتورطين في الاشتباكات الأخيرة والحفاظ على الحريات العامة والخاصة والسلم الأهلي. وأكد المحتجون أن استمرار وجود المجموعات الرديفة وتداخل صلاحياتها يسهم في تأجيج الصراعات المحلية، ما جعل من المستحيل المضي قدمًا في أي طقوس اجتماعية أو احتفالية. وفي مظهر تضامنيّ توقف مجمل أشكال النشاط في المدينة وكذلك من تجدد الاشتباكات المسلحة.
وشهدت منطقة باب توما في دمشق، منتصف الليل خروج مظاهرة شارك فيها عشرات الشبان من أحياء باب توما والقصاع وباب شرقي، واجتمعوا أمام الكنيسة المريمية، في وقفة تضامنيّةٍ مع أهالي السقيلبية. وردد المشاركون شعارات، رافعين لافتات جاء فيها: “السقيلبية معك للموت” و”ما أحلى الموت على خشبة صليبنا”، معبّرين عن تضامنهم مع أبناء المدينة ذات الغالبية المسيحية.
شهدت مدينة السويداء الليلة الماضية وقفة تضامنيّة أمام مطرانية الروم الأرثوذكس دعماً لأهالي السقيلبية، فيما قرعت الكنائس أجراسها تعبيراً عن التضامن.
كما نظم أهالي مدينة السقيلبية السبت 28/3/2026، اعتصاماً سلمياً صامتاً، تحت شعار “لا للتعدي على المقدسات”. ورفع المحتجون لافتات كتب عليها “لا للسلاح المنفلت.. نعم لدولة سورية تضم جميع مكوناتها”، “لا للجيش من لون واحد”، “نحن شركاء بالوطن ولسنا ضيوفًا فيه” “الإعلام السوري كاذب”، “نطالب بمحاسبة عناصر الأمن العام المتورطين”. رفض ورفض الأهالي إجراء مقابلات مع الإعلام السوريّ وأعرب مشاركون في الوقفة عن استنكارهم لما وصفوه بالتغطية الإعلاميّة المضللة التي قدّمها الإعلام الرسمي والموالي، والتي صوّرت ما جرى على أنّه شجار عرضيّ وسلوكٍ فرديّ تدخلت قوات الأمن لفضّه.
أدانت بطريركية أنطاكية للروم الأرثوذكس في سوريا الهجوم الذي طال مدينة السقيلبية وما تعرض له مقام السيدة العذراء من إطلاق نار، معتبرة أن ما حدث يمثل تهديداً للسلم الأهلي ومحاولة لإيقاظ النعرات الطائفية في البلاد.
والسبت عُقد اجتماعٌ في مدينة السقيلبية ضم إدارة المنطقة، الهيئة السياسيّة، رجال الدين ووجهاء المجتمع المحلي، لبحث الأحداث التي وقعت يوم الجمعة الماضية. وخلص الاجتماع إلى تشكيل لجنة للتحقيق في الواقعة، مع مطالبة الحكومة بتحمل مسؤوليتها في محاسبة المتورطين وتعويض الخسائر التي لحقت بالأهالي والممتلكات. وشدد المجتمعون على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة لضمان الأمن والاستقرار ومنع أي تجاوزات تهدد السلم الأهلي في المدينة.
وقال قيادي الأمن الداخليّ في محافظة حماة، العميد ملهم شنتوت: استكمالًا للحادثة التي شهدتها مدينة السقيلبية الجمعة عقدت قوى الأمن الداخليّ اجتماعًا ضم عددًا من المطارنة ووجهاء منطقة الغاب وذلك لتنسيق الجهود لاحتواء التوتر ومعالجة تداعيات الحادثة.
ونقلت وكالة سانا أنّ الجهود أسفرت عن التوصل إلى حلٍّ توافقيّ يقوم على الصلح وأُفرج عن عدد من الموقوفين ممن لم يثبت تورطهم المباشر في الحادثة وذلك لتعزيز الاستقرار المجتمعيّ والحفاظ على السلم الأهليّ.
تفجير كنيسة الدويلعة
جاءت أحدث السقيلبيّة بعد أيام قليلة من الجدل حول القرار الذي أصدرته محافظة دمشق الاثنين 16/3/2026، بمنع تقديم المشروبات الروحيّة ضمن المطاعم والملاهي الليلية في دمشق. ووفق القرار، وحصر بيعها في ثلاثة أحياء محددة هي باب توما والقصاع وباب شرقي وهي أحياء ذات أغلبية مسيحيّة. وفي صدى لهذا القرار رفعت في وقفات الاحتجاج على أحداث السقيلبيّة لافتة ترفض ما وصفته “التمييز الكحوليّ” بين السوريين”.
فيما كانت أعنف الحوادث التي استهدفت المسيحيين التفجير الانتحاريّ في كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق في 22/6/2025، بالتزامن مع تجمع المصلّين لإحياء قداس وأسفر عن مقتل 25 شخصاً وإصابة 63 آخرين، وكان أول هجوم داخل كنيسة في سوريا منذ اندلاع الأزمة في البلاد عام 2011، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وفي اليوم التالي، أعلنت السلطات السورية أنّ “داعش” مسؤول عن الهجوم، رغم أنّ معرفات “داعش” لم تذكر شيئاً عن الهجوم. وفي 24/6/2025، أعلنت جماعة “سرايا أنصار السنة” غير المعروفة مسؤوليتها عن الحادث، وكشفت عن هوية الانتحاريّ المدعو “محمد زين العابدين، الملقب بأبي عثمان”، ووصفت الهجوم بأنّه ردّ على حظر الحكومة للأنشطة التبشيريّة غير المرخصة في الحي. ومن الجدير بالذكر أن الحظر صدر بعد محاولة السلفيين التبشير أمام كنيسة القديس إلياس في أواخر آذار، الأمر الذي قد يكون السبب وراء استهداف هذه الكنيسة تحديداً. وأياً كان الأمر، فالحادث يثير تساؤلاتٍ حول سلامة الأقليات في سوريا الجديدة، والعلاقات بين العناصر الجهادية، والوضع الأمنيّ العام.
قلق يونانيّ من الأحداث
أعربت وزارة الخارجية اليونانيّة عن قلقها العميق إزاء الأحداث التي شهدتها مدينة السقيلبية، ذات الأغلبيّة اليونانيّة الأرثوذكسيّة، داعيةً إلى تنفيذ التحقيقات الحكوميّة بشأن الواقعة بشكل عاجل. وأكدت الوزارة، في بيان نشرته الأحد على منصة إكس، على أهمية الانتقال السلمي الذي يحفظ حقوق جميع السوريين دون تمييز دينيّ أو عرقي، مشددةً على الدور التاريخيّ للمسيحيين في النسيج السوري المتنوع، وجاهزية أثينا لدعم جهود تعافي سوريا.
شهد عدد المسيحيين في سوريا انخفاضاً حاداً ومستمرًا منذ عام 2011، وتُقدّر التقارير تراجع نسبتهم بنحو 80 ــ 84%، وانخفض عددهم من نحو 2.5 مليون نسمة قبل آذار 2011 الحرب إلى نحو 300 ــ 600 ألف شخص. وتعود هذه الهجرة الجماعيّة إلى التداعيات الأمنيّة والاقتصاديّة للحرب المستمرة خلال 14 سنة. وأكثر من نصف المسيحيين المتبقين في سوريا يتجاوزون سن الخمسين، ما يشير إلى الهجرة كان أكبر في فئة الشباب.
حذّرت البطريركية الأنطاكية في بيان لها خلال أيلول 2025 من تصاعد أعمال العنف، ووصفت ما يحدث بأنه “مذبحة ممنهجة وغير مسبوقة”، مشيرة إلى استهداف مباشر للرهبان والأديرة والقرى المسيحية، في ظل غياب تدخل فعّال من السلطات لوقف هذه الانتهاكات.
وفي مشهد آخر يعكس التضامن الكنسي، أجرى البطريرك المسكوني برثولوميو مكالمة هاتفية مع البطريرك يوحنا العاشر بطريرك أنطاكية وسائر المشرق في يوم 8/3/2026، وأعرب عن قلقه العميق إزاء تدهور الأوضاع الأمنيّة، مؤكّدًا دعمه الكامل للمسيحيين في سوريا وصلواته من أجل سلامتهم واستقرارهم.
وتأكيداً لاهتمام الفاتيكان بأوضاع المسحيين في سوريا فقد أعلن الأربعاء 25/3/2026، تعيين رئيس الأساقفة لويجي روبرتو كونا مبعوثاً بابوياً جديداً إلى سوريا، خلفاً للكاردينال ماريو زيناري الذي شغل المنصب لمدة 17 عاماً. وذكرت وكالة أنباء الفاتيكان أنّه من المقرر أن يصل كونا إلى سوريا في 21 أيار المقبل، في وقت تمر فيه البلاد بظروف سياسيّة وأمنيّة حساسة. وأوضح كونا أن وجود المسيحيين في سوريا يُعدّ “عنصراً غنياً” يسهم في تعزيز التنوع الثقافيّ والدينيّ، مشيراً إلى دورهم التاريخيّ كجسرٍ للتواصل والحوار بين مختلف مكونات المجتمع.
وشدد، على أهمية الحوار كمدخل أساسيّ لتحقيق الاستقرار، مؤكداً أن “الحرب تؤدي إلى خسارة كل شيء، بينما يفتح السلام آفاقاً واسعة”، داعياً إلى التركيز على القواسم المشتركة بين مختلف الأطراف بدلاً من نقاط الخلاف.
ما شهدته مدينة السقيلبيّة لا يمكن اعتباره حدثاً عابراً، بل كان اختباراً حقيقيّاً للسوريين في مرحلة يتطلعون فيها إلى وطنٍ يسوده الأمن والاستقرار ويقر بتعدد روافده الثقافيّة والدينيّة والعرقيّة والاجتماعيّة، ووصفه مراقبون بتدحرج كرة النار التي بدءاً من الساحل ثم السويداء وحيي الأشرفية والشيخ مقصود، في استهداف متتابع ومتسلسلٍ للسوريين.
No Result
View All Result