No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – في مشهدٍ يختلف عمّا اعتادته الشوارع السورية خلال سنوات طويلة، استقبل المسيحيون هذا العام “أحد الشعانين” بهدوء داخل الكنائس، بعد أن كانت الأزقة والحارات تمتلئ بمواكب الأطفال والعائلات، وهم يحملون الشموع وأغصان الزيتون وسعف النخيل، فقد اكتفت الكنائس بإقامة الصلوات والطقوس الدينية داخل دور العبادة، فيما غابت المسيرات الاحتفالية التي كانت تعدّ من أبرز مظاهر العيد عقب التوتر الأمني الذي شهدته مدينة السقيلبية.
مع حلول “أحد الشعانين”، زيّنت الكنائس أبوابها وأروقتها بأغصان الزيتون، رمز السلام والبركة، في استقبال المصلين الذين توافدوا للمشاركة في الصلوات، وفي السابق، كانت هذه الأغصان تُحمل في مواكب تجوب الشوارع. لكن؛ هذا العام بقيت داخل الكنائس، حيث اقتصر الاحتفال على الطقوس الدينية دون خروج مسيرات شعبية.
ويحيي المسيحيون في هذا اليوم، ذكرى دخول السيد المسيح مدينة أورشليم، حين استقبله الأهالي بترانيم الفرح حاملين سعف النخيل وأغصان الزيتون، وهو التقليد الذي حافظت عليه الكنائس عبر القرون في طقوس أحد الشعانين.
طقوس الشعانين
ويُعد “أحد الشعانين” بداية أسبوع الآلام، أقدس أسابيع السنة الطقسية لدى المسيحيين، وفي العادة، تخرج مواكب رمزية يقودها الأطفال، وهم يرتدون ثياباً بيضاء ويحملون الشموع وأغصان الزيتون، مرددين الترانيم والصلوات في الشوارع، في مشهد يجمع بين الفرح والرهبة. غير أن هذه المظاهر اختفت هذا العام في معظم المدن السورية، ليحلّ محلها احتفال محدود داخل الكنائس، في ظل ظروف أمنية واجتماعية دفعت القيادات الكنسية إلى اتخاذ قرارات احترازية.
أحداث السقيلبية تلقي ظلالها على الأعياد
وأعلنت “Melkite Greek Catholic Church” في بيان صادر عن بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك، أن الاحتفالات الفصحية هذا العام ستقتصر على الصلوات داخل الكنائس، دون تنظيم مسيرات أو فعاليات خارجية.
ونقل بيان البطريركية الموقّع من البطريرك “يوسف العبسي”: “نظرًا للأوضاع الراهنة غير المشجعة، قررنا بالتنسيق والاتفاق مع سائر الكنائس أن تقتصر الاحتفالات الفصحية لهذا العام على الصلوات فقط في داخل الكنائس”.
وجاء القرار عقب توتر أمني شهدته مدينة السقيلبية مساء الجمعة، وهي من أكبر المدن ذات الغالبية المسيحية في وسط سوريا، بين أبناء البلدة ومسلحين من قرى مجاورة قاموا باقتحامها، الأمر الذي اتخذ طابعًا طائفيًا، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان وسكان، وجاءت هذه التطورات بعد أشهر من تفجير انتحاري استهدف كنيسة مار الياس في حي الدويلعة في دمشق في حزيران 2025، وأسفر عن استشهاد 25 شخصاً.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأن مسلحين وملثمين قدموا من قلعة المضيق وقرى مجاورة، نفذوا هجومًا، تخلله “شغب وتخريب واعتداء على مدنيين”، بعد حادثة قال “إنها بدأت بالتحرش بعدد من الفتيات وتطورت إلى التهديد بقنبلة”.
هذه الأحداث دفعت الكنائس إلى اتخاذ إجراءات احترازية خشية تكرار حوادث مشابهة خلال فترة الأعياد التي تشهد عادة تجمعات كبيرة. هذا وقد خرجت العشرات السبت في اعتصام صامت وسط مدينة السقيلبية، رافعين لافتات كتب على إحداها “لا للسلاح المنفلت… نعم لدولة سورية تضم جميع مكوناتها”، وفق وسائل إعلام محلية، وطالب المشاركون بمحاسبة المتورطين، فيما كتب على لافتات أخرى “لا للجيش من لون واحد” و “لا للإعلام الكاذب” و”نطالب بمحاسبة عناصر الأمن العام المتورطين”.
وكانت بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، قد أدانت في بيان السبت ما وصفته بأنه “هجوم وترهيب” على السقيلبية، مطالبةً بفتح تحقيق رسمي ومحاسبة المتورطين.
أسبوع الآلام… طقوس حزن وتأمل
ومع انتهاء أحد الشعانين، دخلت الكنائس السورية مرحلة أسبوع الآلام، الذي يمتد حتى سبت النور، ويُختتم بعيد القيامة، ويُكرّس المؤمنون هذه الأيام لتأمل آلام المسيح وصلبه وقيامته، وسط أجواء من الحزن والخشوع.
وتتبدل ملامح الكنائس خلال هذا الأسبوع، إذ تُغطى الأيقونات والأعمدة بالقماش الأسود، وتتحول الألحان الكنسية إلى نغمات حزينة، بينما تتركز القراءات على أحداث الآلام والخيانة والمحاكمة والصلب.
ويحرص كثير من المؤمنين على الابتعاد عن مظاهر الفرح والزينة خلال هذه الأيام، تعبيرًا عن المشاركة الروحية في آلام المسيح، كما تُلغى الاحتفالات الاجتماعية، وتلتزم العائلات بأجواء هادئة يغلب عليها التأمل والصلاة.
ويبلغ أسبوع الآلام ذروته في يومي خميس العهد والجمعة العظيمة، ففي خميس العهد، تحيي الكنائس ذكرى العشاء الأخير، حيث أسس المسيح سر التناول، ويجري طقس غسل الأرجل اقتداءً بتواضعه مع تلاميذه. أما الجمعة العظيمة، فتُعد أكثر أيام الأسبوع حزنًا، حيث تُتلى صلوات طويلة تستعرض مراحل محاكمة المسيح وجلده وصلبه، وتُرفع الصلبان داخل الكنائس وسط أجواء من الصمت والخشوع.
صلوات ومواعظ داخل الكنائس
وعلى مدى عقود، كانت مواكب الشعانين من أبرز المظاهر الدينية والاجتماعية في المدن السورية، إذ كانت العائلات تخرج إلى الشوارع لمشاهدة الأطفال وهم يحملون الشموع وأغصان الزيتون، في مشهد يعكس التعايش والتنوع الديني في البلاد.
غير أن السنوات الأخيرة، التي شهدت أزمات أمنية واقتصادية وهجرة واسعة، أدت إلى تراجع هذه المظاهر تدريجياً، حتى اختفت تقريباً هذا العام، ليصبح الاحتفال محصوراً داخل الكنائس.
ويأتي أسبوع الآلام هذا العام في وقت تختلف فيه تواريخ عيد القيامة بين الكنائس التي تتبع التقويمين الغربي والشرقي، فالكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية تعتمد التقويم الغريغوري، بينما تعتمد الكنائس الأرثوذكسية التقويم اليولياني في حساب موعد العيد.
ويُحدد عيد الفصح وفق قاعدة فلكية تقضي بأن يكون في الأحد الأول بعد اكتمال القمر الذي يلي الاعتدال الربيعي، ما يجعل موعده متغيراً بين أواخر آذار وأوائل أيار، تبعاً لاختلاف التقويم المعتمد.
من الألم إلى القيامة
ورغم الظروف التي فرضت تقليص مظاهر الاحتفال، أكد رجال الدين والمصلون أن جوهر العيد لا يرتبط بالمواكب أو المظاهر الخارجية، بل بالمعاني الروحية التي يحملها أسبوع الآلام وعيد القيامة.
ويُنظر إلى هذه الفترة باعتبارها زمناً للتوبة والتأمل والتجدد الروحي، حيث يستحضر المؤمنون قصة الألم والصلب باعتبارها طريقًا يقود في النهاية إلى القيامة والرجاء.
وفي سبت النور، تنتظر الكنائس في صمت، لحظة إعلان القيامة، لتتحول الألحان الحزينة ترانيم فرح، وتضاء الشموع إيذاناً بانتهاء زمن الحزن وبداية زمن الرجاء، لكن حتى هذه اللحظة المنتظرة، ستبقى هذا العام محصورة داخل الكنائس، في مشهد يعكس واقعًا جديدًا فرضته الظروف الأمنية والاجتماعية في سوريا.
هذا، وبينما تبقى أغصان الزيتون حاضرة في أيدي المصلين، بقيت الشوارع التي كانت تمتلئ يوماً بأصوات الترانيم ومواكب الأطفال صامتة، لتصبح الكنيسة المكان الوحيد الذي يحتضن احتفالات الشعانين وأسبوع الآلام، في انتظار أيام أكثر أمناً تعيد لهذه الطقوس حضورها في الفضاء العام.
No Result
View All Result