No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
تشهد المنطقة منذ تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل مرحلة جديدة من الاستقطاب والصراع غير المباشر، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية في شبكة معقدة من المواجهات الإقليمية. وفي هذا السياق، برز العراق مجدداً بوصفه إحدى الساحات الرئيسية لهذه المواجهة متعددة المستويات وذلك نتيجة موقعه الجيوسياسي الحساس وتعدد الفاعلين المسلحين على أراضيه، وهو ما يضع الدولة العراقية أمام معضلة بنيوية عميقة تتمثل في الدور الذي تلعبه الفصائل المسلحة المرتبطة بالحشد الشعبي، وتأثير ذلك في سيادة الدولة واستقرارها وفي موقع العراق داخل معادلات الصراع الإقليمي.
بشكل عام، تعود جذور هذه المعضلة إلى مرحلة الحرب ضد داعش، حين انهار جزء كبير من المؤسسة العسكرية العراقية عام 2014، ما دفع إلى تشكيل قوات الحشد الشعبي كإطار تعبوي ضم عشرات الفصائل المسلحة التي برزت آنذاك باعتبارها قوة أساسية في مواجهة داعش. وقد اكتسبت هذه الفصائل شرعية سياسية واجتماعية واسعة نتيجة دورها في المعارك ضد داعش، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى دمج الحشد الشعبي رسمياً ضمن المنظومة الأمنية للدولة العراقية ومنحه وضعاً قانونياً ومخصصات مالية من الموازنة العامة. غير أن هذا الدمج لم يؤدي إلى تفكيك البنية المستقلة للفصائل المسلحة أو إلى إخضاعها الكامل لسلطة الدولة، بل أدى إلى نشوء صيغة هجينة تجمع بين الشرعية الرسمية والاستقلال العملياتي.
تضم مؤسسة الحشد الشعبي عشرات الألوية ونحو مئات الآلاف من المقاتلين، وتقدر ميزانيتها السنوية بمليارات الدولارات. ورغم تنوع مكوناتها، فإن الثقل العسكري والسياسي داخلها يتركز في عدد من الفصائل الشيعية المرتبطة بإيران، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، إضافةً إلى فصائل أخرى تتمتع بقدراتٍ عسكرية متقدمة تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ. وقد ساعد الدعم الإيراني، سواء عبر التدريب أو التسليح أو الإسناد اللوجستي، في تعزيز القدرات العسكرية لهذه الفصائل، مما منحها دوراً يتجاوز حدود العمل المحلي ليصل إلى الانخراط في صراعات إقليمية، كما حدث في سوريا خلال السنوات الماضية.
ولا يقتصر نفوذ هذه الفصائل على المجال العسكري فحسب، بل يمتد أيضاً إلى المجال السياسي؛ فمنذ الانتخابات البرلمانية عام 2018 توسع حضور الجماعات المرتبطة بالحشد الشعبي داخل البرلمان والحكومة، الأمر الذي مكّنها من التأثير في تشكيل الحكومات وفي صياغة السياسات العامة وفي توزيع الموارد. ويخلق هذا التداخل بين العمل العسكري والنفوذ السياسي وضعاً معقداً يجعل من الصعب على الدولة العراقية فرض قيود فعالة على نشاط هذه الفصائل، إذ تتحول في الوقت ذاته إلى لاعبٍ مسلح وشريك سياسي داخل النظام السياسي.
وقد تعمق هذا التعقيد مع تصاعد التوترات الإقليمية في السنوات الأخيرة. فمع اشتداد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أصبحت الأراضي العراقية منصة لعدد متزايد من العمليات العسكرية التي تُنفذها فصائل مرتبطة بمحور إيران. وتشير تقديرات مختلفة إلى تنفيذ مئات الهجمات منذ مطلع عام 2024 ضد أهداف داخل العراق أو انطلاقاً من أراضيه نحو أطراف إقليمية، بما في ذلك منشآت عسكرية ودبلوماسية أمريكية ومواقع تابعة لقوات البيشمركة وبنى تحتية مدنية. وغالباً ما تُعلن مسؤولية هذه العمليات تحت مسميات مثل “المقاومة الإسلامية في العراق”، وهي واجهات إعلامية تستخدمها الفصائل المسلحة لإخفاء هويتها التنظيمية المباشرة. وقد أدى تصاعد هذه الهجمات إلى جرّ العراق تدريجياً إلى قلب المواجهة الإقليمية، رغم أن الحكومة العراقية لا تملك السيطرة الكاملة على هذه العمليات. ورداً على ذلك، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة من الضربات الجوية استهدفت مواقع وقيادات مرتبطة بفصائل داخل الحشد الشعبي، ما أدى إلى سقوط عدد من القيادات الميدانية. ورغم أن هذه الضربات لم تؤدي إلى تغيير جوهري في ميزان القوى العسكري، فإنها ساهمت في تصعيد التوتر السياسي وتعقيد الموقف العراقي بين ضغوط الداخل ومتطلبات العلاقات الخارجية.
ومن المنظور الإيراني، تشكل الفصائل الشيعية المسلحة في العراق أحد أهم أدوات النفوذ الإقليمي، فقد تطورت هذه الجماعات خلال العقدين الماضيين من ميليشيات محلية إلى فاعلين عابرين للحدود قادرين على دعم الحلفاء الإقليميين لطهران والمشاركة في الصراعات الإقليمية. كما تسهم هذه الشبكات في توفير قنوات اقتصادية بديلة لإيران، من خلال أنشطة مثل تهريب النفط والالتفاف على العقوبات والتحويلات المالية غير الرسمية. ومع تعرض بعض حلفاء إيران الآخرين في المنطقة لضغوطٍ متزايدة، ازدادت الأهمية الاستراتيجية للفصائل العراقية التي يوفر موقعها الجغرافي لإيران عمقاً استراتيجياً غربياً يمتد نحو بلاد الشام والخليج.
غير أن هذا الدور الإقليمي للفصائل المسلحة يضع العراق في موقف بالغ الحساسية، فوجود قوى مسلحة مرتبطة بأجندات خارجية داخل منظومة الدولة يؤدي إلى تقويض احتكار الدولة لاستخدام القوة ويخلق ازدواجية في مراكز القرار الأمني والعسكري. وفي الوقت نفسه، فإن أي محاولة حكومية لمواجهة هذه الفصائل بشكل مباشر قد تؤدي إلى صراع داخلي في البيئة السياسية الشيعية، وهو ما تسعى الحكومات العراقية المتعاقبة إلى تجنبه.
وقد انعكس هذا التوازن الهش في مواقف الحكومة العراقية خلال الفترة الأخيرة. فمن جهة، أدانت بغداد الهجمات التي تستهدف القوات الأجنبية والمنشآت الدبلوماسية على الأراضي العراقية ووصفتها بأنها أعمال إرهابية، لكنها امتنعت في كثير من الأحيان عن تحديد الجهات المسؤولة عنها. ومن جهة أخرى، انتقدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي تستهدف الفصائل المسلحة، معتبرةً إياها انتهاكاً للسيادة العراقية. بل إن الحكومة ذهبت أبعد من ذلك عندما سمحت لقوات الحشد الشعبي بالرد على الهجمات التي تستهدف قواعدها، وهو قرار يعكس حجم التعقيد الذي تواجهه الدولة العراقية في إدارة هذا الملف.
هنا يبرز سؤال جوهري حول مستقبل العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة المرتبطة بالحشد الشعبي. فمع الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية من العراق بحلول عام 2026 وفق الاتفاق المبرم بين بغداد وواشنطن، يطرح بعض القادة العراقيين فكرة أن هذا الانسحاب قد يسهم في تقليص نفوذ الفصائل الموالية لإيران. غير أن هذا الطرح يظل محل شك، إذ إن قدرة الدولة العراقية على تفكيك هذه الجماعات أو إخضاعها الكامل لسلطة الدولة تبقى محدودة في ظل موازين القوى السياسية والعسكرية القائمة.
وعليه، فإن العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم؛ فاستمرار الوضع الحالي يعني بقاء الدولة في حالة توازن هش بين قوى داخلية مسلحة وضغوط إقليمية ودولية متزايدة، وفي المقابل فإن أي مسار لإعادة بناء سيادة الدولة يتطلب إصلاحاً عميقاً لقطاع الأمن وتعزيز احتكار الدولة لاستخدام القوة، إضافة إلى إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة، وستظل قدرة الدولة العراقية على التعامل مع هذه المعضلة عاملاً حاسماً في تحديد مسار استقرار العراق ودوره في النظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
No Result
View All Result