اغتيال الناشطة العراقية ينار محمد لم يكن حادثاً أمنياً عابراً، بل استهدافاً مباشراً لصوتٍ نسويٍ ظلّ لسنوات في مواجهة العنف والتطرف. كانت ناشطة مدنية كرّست حياتها للدفاع عن النساء، ولا سيما الإيزيديات اللواتي نجون من جرائم مرتزقة داعش الظلامي، وجعلت من قضية العدالة للناجيات عنواناً لنضالها العام.
برحيلها، تخسر الحركة النسوية العراقية صوتاً صريحاً لم يهادن، وتخسر الناجيات من العنف سنداً يعرف كيف يحوّل الألم إلى فعلٍ منظم. لم يكن حضورها مقتصراً على العمل الإغاثي، بل امتد إلى بناء مساحات آمنة للنساء الهاربات من العنف الأسري والاتجار بالبشر، وإلى تحويل المبادرات المدنية إلى قوة ضغط من أجل تشريعات تحمي النساء وتحصّن حقوقهن.
الاغتيال في قلب بغداد رسالة تتجاوز الشخص إلى المجال العام: رسالة تقول إن الدفاع عن المساواة قد يدفع أصحابه ثمناً باهظاً. إنها محاولة لإعادة النساء إلى هامش الخوف، وإقناع المجتمع بأن كلفة الصوت الحر أعلى من كلفة الصمت. غير أن التجارب في المنطقة تُظهر أن إسكات الأفراد لا يُنهي الأفكار، بل قد يمنحها حضوراً أوسع وأشد رسوخاً.
في سياق إقليمي مضطرب، يبدو العنف ضد المدافعات عن الحقوق إرهاباً متنقلاً بين عواصم الشرق الأوسط، يتبدّل في أشكاله لكنه يحتفظ بهدف واحد: كسر الإرادة الحرة. هذا العنف يستفيد من ثقافات تبرّر التمييز، ومن اقتصادٍ يهمّش النساء ويجعل استقلالهن تهديداً لمنظومات السلطة التقليدية. لذلك؛ فإن مواجهة الاغتيال لا تكون بالبيانات وحدها، بل بوحدة جوهرية بين المنظمات النسائية وتحصين المجال العام من سطوة السلاح.
لقد شكّلت ينار نموذجاً لنسويةٍ مدنيةٍ لا تنفصل عن قضايا الفقر والحرب والطائفية. كانت ترى أن حماية النساء ليست شأناً “قطاعياً”، بل معياراً لمدى تحضّر الدولة. ومن هنا، فإن اغتيالها يضع سؤالاً أخلاقياً أمام المجتمع: هل تُترك المدافعات عن الحقوق وحدهن في مواجهة التهديد؟
ربما أرادت الرصاصات أن تُنهي حكاية، لكنها فتحت فصلاً جديداً من المساءلة. فكل ملجأ أُنشئ، وكل قانون طُرح، وكل ناجية استعادت حياتها، هو دليل على أن الفكرة أقوى من الخوف. إن تكريمها لا يكون بالرثاء فقط، بل بتحويل الغضب إلى سياسات، والتضامن إلى شبكات حماية، والذاكرة إلى عملٍ مستدام. عندها فقط يصبح الاغتيال اعترافاً بقوة الصوت الذي حاولوا إسكاتَه، لا إعلاناً بانتصار الظلام.