No Result
View All Result
عبد الوهاب بيراني
في السابع والعشرين من آذار من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمسرح، وهو اليوم الذي أطلقه المعهد الدولي للمسرح عام 1961 احتفاء بهذا الفن الإنساني الراقي، وتكمن أهمية هذه المناسبة في ترسيخ حقيقة أن المسرح فضاء للحوار الإنساني، ومرآة تعكس نبض الشعوب، وليكون صوت من لا صوت لهم، واحتفاء بالخيال الذي يقاوم الانغلاق، وبالكلمة التي تكسر جدران الصمت. إنه تذكير سنوي بحق كل شعب في التعبير عن ذاته بلغته وتراثه، لا سيما في السياقات التي واجهت فيها الثقافة محاولات الطمس والإنكار.
وإذا كان اليوم العالمي للمسرح يؤكد عالمية هذا الفن وجذوره الإنسانية العميقة، فإن التجربة الكردية تقدم نموذجاً حياً على امتداد تلك الجذور عبر الزمن، فالمسرح الكردي لم يولد في القرن العشرين، بل تبلور في فضاءات التراث الشفاهي المتنوعة، منذ أسطورة جلجاميش التي حملت بذوراً للسرد الحواري، ومهرجانات نوروز، كما كان الحكواتي الذي يؤدي بمفرده أمام الحاضرين في شكل مونودراما بدائية تتحول معها الغرفة أو المجلس إلى منصة تفاعلية. واستمر هذا الفن في صالونات البكوات والأغوات والزعماء، حيث كان الحكواتي والمطربون الشعبيون يسردون بطولات الشعب الكردي عبر شخصيات كان لها أثر بارز في تاريخه، وخاصة في ليالي الشتاء الطويلة التي كانت تتحول فيها البيوت مجالس لتبادل الأحاديث وطرح الأحجيات وإنشاد القصائد والأغاني والعزف، والاستماع إلى الحكايات الممتعة التي تمزج بين الحكمة والموعظة، بينما كانت ليالي الصيف مناسبة لتقديم عروض حكائية في الهواء الطلق على منصات طينية، تتخللها وصلات غنائية تعبر عن الحرب والسلام، والفرح بالانتصارات، أو تعلن نهاية المواسم الزراعية وبداية مواسم جديدة. كما كان للرعاة أغانيهم وحكاياتهم عن عشق ابنة الآغا أو ابنة عمه التي لا ترضى به. كانت الرقصات والدبكات تعبيراً مسرحياً حركياً عن الحرب والمقاومة والاعتداد بالنفس والقوة.
وتمتد بنية التراث الفني لدى الشعب الكردي إلى نسيج عضوي يتداخل فيه الغناء مع الرقص، واللحن مع الإلقاء، فلم يكن الغناء أداء صوتياً فحسب، بل فعلاً درامياً متكاملاً يؤدي فيه المغني أدواراً متعددة عبر نبرات صوته وتعبيرات وجهه، محولاً القصيدة الملحمية عرضاً مسرحياً متخيلاً، وكذلك الرقصات الجماعية، التي حملت في إيقاعاتها وتشكيلاتها تعابير رمزية عن الصراع والفرح والطقوس الزراعية، أما الحكواتي فكان الممثل الشامل، يقف وسط الدائرة ليروي الحكايات الملحمية مثل مم وزين ودرويش عفدي، متفاعلاً مع جمهوره الذي يشاركه الانفعال والتعليق، مما يجعل الجلسات فضاء مسرحياً شعبياً بامتياز.
وهنا تكمن جوهرية الجدلية التي تؤسس فهماً عميقاً للمسرح الكردي، فهو من جهة يحمل في جيناته حضوراً تاريخياً أصيلاً، إذ لم يكن وافداً طارئاً على الثقافة الكردية، بل تشكلت قوالبه الدرامية الأولى في الخيال الجمعي منذ أقدم العصور، ما يمنحه أصالةً في الهوية اللغوية تفرد بها، فالكردية، بلهجاتها المتعددة، لم تكن أبداً لغة حوار في نصوصه، بل كانت جوهر الفعل المسرحي نفسه، نابضة بإيقاعاتها الخاصة، حاملة لحمولاتها الثقافية التي لا تُترجم ولا تُنقل، ومن جهة أخرى تحول هذا الكيان المسرحي، بما امتلك من عمق وجذوة، إلى حالة مقاومة فريدة في وجه سياسات المحو، ففي خضم مسار من القمع بدءاً بحظر اللغة الكردية، مروراً بمنع النشاط السياسي، وصولاً إلى تجريم الفعل الثقافي، كان المسرح نبض الحياة الذي لا يخفت، فقد حوّل الكرد فضاء الخشبة إلى ساحة وجود بامتياز، حيث صار كل عرض مسرحي في الظل، وكل نص مؤلفاً في الخفاء، وكل إلقاء لكلمة كردية على منصة نوروز، عملاً مقاوماً بامتياز، يؤكد أن الهوية حين تتجسد في فعل جمالي جماعي، تصبح أقوى من كل أدوات الطمس وأكثر قدرة على إعادة إنتاج ذاتها باستمرار.
ومع حلول القرن العشرين، تحول المسرح الكردي إلى فن جماهيري نضالي بامتياز، معبراً عن توق الشعب إلى الحرية وحقه في التعبير بلغته الأم، غير أن هذا التحول واجه سياسات إنكار ممنهجة من الحكومات المتعاقبة في الجغرافيا الكردية في كل من سوريا وإيران وتركيا والعراق، حيث طالت المضايقات والاعتقالات وعمليات المنع، وتعرض التراث والفلكلور والقصص والأغاني والرقصات والأزياء لمحاولات سرقة وطمس، في سعي لمحو الذاكرة الجمعية، ورغم ذلك استمر المسرح الكردي عبر عروض سرية، أو من خلال تقديم مونولوجات ومسرحيات قصيرة بإمكانات محدودة على منصات نوروز، التي كانت تقام رغم محاولات المنع، ليؤكد أن الفن أقوى من القمع، وأن الكلمة الحرة لا تحاصر.
واليوم، ورغم الزخم الذي شهدته مناطق روج آفا عبر إنشاء كومينات المسرح والمعاهد الفنية المتخصصة، لا يزال المسرح الكردي يواجه تحديات كبيرة، أبرزها غياب البنية التحتية المستقلة من مسارح مجهزة ومراكز تدريب دائمة، إلى جانب التشتت الجغرافي وهجرة فنانيه ومبدعيه، ونقص الكوادر الفنية، والحدود الفاصلة بين الشعب الكردي الذي يعيش على أرضه التاريخية تحت شمس الله، كل تلك التحديات التي يعاني منه المبدعون الكرد في أجزاء الوطن تحد من تبادل الخبرات وتعيق تشكيل حركة مسرحية موحدة، ويضاف إلى ذلك التحدي الاقتصادي المتمثل في شح التمويل وغياب سياسات دعم مستدامة للفنون المسرحية، ما يجعل معظم العروض رهينة الجهود الفردية والإمكانات الذاتية المحدودة، رغم دعم الإدارة الذاتية وتمويلها للمهرجانات المسرحية في مناطق روج آفا، كما يشكل واقع اللغة تحدياً إضافياً، إذ تعمل الفرق ضمن لهجات متعددة دون توحيد معياري كاف، فضلاً عن استمرار الضغوط السياسية في بعض المناطق، بما يعيق تقديم العروض باللغة الكردية ويحد من وصولها إلى جمهورها، رغم أن التنوع في اللهجات من اللغة الواحدة إثراء للغة وللأدب وللفن. 
وفي خضم هذه التحديات، يبرز الدور النوعي للمرأة الكردية، التي كانت ولا تزال ركناً أساسياً في رفد الحركة المسرحية، فإلى جانب حضورها اللافت على الخشبة كممثلة قدمت أدواراً معقدة تعكس قضايا مجتمعها وهويتها، تبوأت مواقع متقدمة في الكتابة المسرحية، حيث حملت نصوصها هموم المرأة والمجتمع بلغة جريئة ومغايرة، كما برزت في الإخراج المسرحي، مقدمة عروضاً تجمع بين عمق التراث وحداثة الرؤية الفنية، ولم يقتصر دورها على التأليف والإخراج والتمثيل، بل امتد إلى التعليم المسرحي، حيث تشغل اليوم مواقع أكاديمية في المعاهد والكليات الفنية في روج آفا وباقي أجزاء كردستان، لتشكل جسراً لنقل الخبرة إلى أجيال جديدة، وتؤكد أن النهضة المسرحية الكردية لا تكتمل دون ريادتها.
وفي هذا العام، تأتي فعاليات اليوم العالمي للمسرح في روج آفا لتجسد هذا التفاعل بين البعد العالمي والخصوصية المحلية، حيث قدم كومين المسرح عرضاً باللغة الكردية عن نص “ماما تونجي” للكاتب الإيطالي داريو فو، يوم 27 آذار، على خشبة مسرح مركز محمد شيخو، تزامناً مع الاحتفال باليوم العالمي للمسرح، النص الذي كتبه داريو فو بالمشاركة مع زوجته فرانكا رامي، ويأتي اختيار هذا العمل، بوصفه مسرحاً سياسياً ساخراً يجمع بين البساطة والعمق، منسجماً مع روح المسرح الكردي المرتبط بقضايا مجتمعه.
وسيعرض العمل على مسرح دجلة في مدينة ديرك، إضافة إلى عرض جماهيري بمدينة الحسكة في التاسع والعشرين من آذار على مسرح مركز الهلال الذهبي للفن، تأكيدا على أن المسرح يظل حاضنة حية للغة الكردية وآمالها، وفناً جمالياً قادراً على مواكبة التطور، وشكلاً أصيلاً من أشكال التعبير الجماهيري، وامتداداً لتراث كردي عريق مشبع بحب الفن والحياة.
No Result
View All Result