محمد عيسى
لم تكن ليلة العشرين من آذار 2026 مجرّد مناسبة احتفالية عابرة في ذاكرة السوريين، ولا سيما أبناء الشعب الكردي، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة عرّت واقعاً أمنياً هشّاً، وكشفت عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي الذي تروّج له الحكومة المؤقتة حول “حماية التنوع وحقوق الشعوب”، وبين الوقائع الميدانية التي بدت، في تلك الليلة، أقرب إلى مشهد فوضوي مفتوح على احتمالات خطيرة. فمن مدينة عفرين إلى أعزاز، مروراً بطريق حلب ـ عفرين، وصولاً إلى ريف كوباني، سُجّلت سلسلة من الانتهاكات الممنهجة التي طالت المدنيين الكرد ورموزهم القومية، في توقيت بالغ الحساسية تزامن مع احتفالات عيد نوروز، الذي اعتمدته الحكومة نفسها عطلة رسمية بموجب المرسوم السيادي رقم 13 الصادر في آذار 2026.
من عيد قومي إلى لحظة اختبار للدولة
في الحادي والعشرين من آذار من كل عام، يحتفل الكرد بعيد نوروز بوصفه رمزاً للحرية والهوية والانبعاث. وفي عام 2026، اكتسب العيد بعداً سياسياً إضافياً، بعد إعلان الحكومة السورية المؤقتة، عبر مرسوم رسمي، اعتماد هذا اليوم عطلة وطنية، في خطوة قُدّمت على أنها مؤشر على مرحلة جديدة من الاعتراف بالتعددية القومية والثقافية في البلاد.
غير أن الوقائع التي سبقت العيد بساعات، وتحديداً مساء الجمعة 20 آذار، رسمت صورة مغايرة تماماً. ففي مدينة عفرين، استغل مجهولون خروج الأهالي للاحتفال، وقاموا بسرقة عدد من المنازل العائدة لمواطنين كرد، في مشهد يعكس خللاً أمنياً واضحاً، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الأجهزة الأمنية على حماية المدنيين في لحظات يُفترض أنها تخضع لإجراءات استثنائية من الحماية.
وفي التوقيت ذاته، أقدمت دورية تابعة للأمن الجنائي على اعتقال شابين عند دوار نوروز في عفرين، لمجرد ارتدائهما “ريبانة” تحمل ألوان العلم الكردي (الأخضر، الأحمر، الأصفر). عملية الاعتقال، التي جرت في وضح الاحتفال، لم تكن مجرد إجراء أمني، بل حملت دلالات سياسية واجتماعية عميقة، إذ جاءت في تناقض صارخ مع قرار رسمي يعترف بالعيد ذاته.
تأتي هذه الأحداث بعد أقل من شهرين على توقيع اتفاق 29 كانون الثاني 2026 بين الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية، والذي نصّ صراحة على ضمان العودة الآمنة للأهالي الكرد إلى مناطقهم، وفي مقدمتها عفرين وريفها، التي شهدت منذ عام 2018 تغييرات ديموغرافية واسعة. لكن؛ ما جرى في نوروز 2026 أعاد طرح السؤال الأساسي: هل يمكن الحديث عن “عودة آمنة” في ظل بيئة أمنية تسمح بوقوع سرقات منظمة، واعتقالات على خلفية رمزية، واعتداءات علنية على الرموز القومية؟
المؤشرات الميدانية، كما وثّقتها مصادر محلية وتقارير حقوقية، تشير إلى فجوة كبيرة بين النصوص المكتوبة والواقع المعاش. فالاتفاق، رغم أهميته السياسية، لم يُترجم إلى إجراءات ملموسة على الأرض، سواء من حيث تعزيز الأمن، أو ضبط المجموعات، أو محاسبة المتورطين في الانتهاكات.
إهانة الرموز… من حادثة فردية إلى نمط متكرر
في الحادي والعشرين من آذار 2026، لم تسرِ احتفالات نوروز في مدينة عفرين كما أُريد لها أن تكون مناسبة جامعة تعبّر عن الاعتراف بالتعددية، بل تحوّلت إلى مشهد صادم كشف عمق التوتر الكامن تحت السطح. ففي وضح النهار، وأمام حركة السير الاعتيادية، أقدمت مجموعة من الأشخاص على فرش العلم الكردي في أحد الشوارع الرئيسية، في سلوك يحمل دلالات استفزازية واضحة، قبل أن يُجبر سائقون على المرور فوقه، في انتهاك علني لرمزية يعتبرها الكرد جزءاً من هويتهم الجماعية. اللافت في الحادثة لم يكن الفعل بحد ذاته فقط، بل وقوعه أمام أعين عناصر الأمن دون أي استجابة تُذكر، ما أعطى انطباعاً خطيراً بغياب الردع أو القبول الضمني بمثل هذه التصرفات.
وامتد هذا السلوك إلى مناطق أخرى في ريف حلب الشمالي، حيث وثّقت حوادث مشابهة في أعزاز، شملت الإساءة إلى العلم الكردي في أكثر من موقع، إضافة إلى قيام مجموعات بحرقه في نقاط متفرقة، بينها محيط الحواجز. كما أظهرت تسجيلات مصورة اعتداءات مباشرة على شبان بسبب رفعهم الراية الكردية، وصلت في بعض الحالات إلى تدمير ممتلكاتهم الشخصية، بما في ذلك إحراق دراجات نارية، في مشهد يعكس تصاعداً خطيراً في استهداف الرموز القومية.
بالتوازي مع ذلك، تحوّل الطريق الرابط بين حلب وعفرين، والذي يمتد لنحو 45 كيلومتراً، إلى مساحة غير آمنة، حيث انتشرت نقاط تفتيش غير نظامية تولّت إيقاف المركبات، خصوصاً تلك التي تقل عائلات كردية. وتكررت حالات الاعتداء اللفظي والجسدي، إلى جانب تخريب السيارات وبث الرعب بين الركاب، بمن فيهم النساء والأطفال. وفي مفارق حريتان وحيان وتل رفعت وأعزاز، تكررت هذه المشاهد خلال يومين متتاليين، ما يعكس نمطاً منظماً أكثر منه حالات فردية معزولة.
هذه الوقائع مجتمعة تشير إلى بيئة مشحونة بخطاب تحريضي متصاعد، تغذّيه منصات التواصل الافتراضي، وتترجمه مجموعات على الأرض إلى أفعال ميدانية، في ظل غياب تدخل حاسم من الجهات المسؤولة، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول مستوى السيطرة الأمنية، وقدرة المؤسسات على احتواء هذا النوع من التوتر قبل تحوّله إلى صراع مفتوح.
حين يتحول العنف إلى مأساة
ولم تقف تداعيات تلك المشاهد عند حدود الإهانات الرمزية أو الاعتداءات المتفرقة، بل سرعان ما أخذت منحى أكثر خطورة مع تسجيل حوادث أودت بحياة مدنيين، في تصعيد يعكس انتقال الانتهاكات من مستوى الترهيب إلى مستوى التهديد المباشر للوجود البشري. ففي إحدى أكثر الوقائع إيلاماً في يوم 23 آذار، استشهد مواطن كردي داخل مدينة عفرين بعد تعرضه لسلسلة اعتداءات خلال مشاركته في أجواء الاحتفال. وبحسب المعطيات المتداولة، جرى توقيفه بداية عند مفرق الشط، حيث تعرّض للضرب دون مبررات واضحة، قبل أن يتكرر الاعتداء عليه لاحقاً في محيط قريتي كفرجنة ومريمين، في ظل تفوق عددي للمهاجمين حال دون تمكنه من حماية نفسه أو الفرار من الموقف.
وتشير المعلومات إلى أن العنف الجسدي الذي تعرّض له، إلى جانب حالة الضغط النفسي الحاد التي رافقت تلك اللحظات، أدّيا إلى إصابته بأزمة قلبية حادة، انتهت بوفاته بشكل فوري، في حادثة تختصر حجم التدهور الذي بلغته الأوضاع خلال تلك الفترة القصيرة. هذه النهاية المأساوية لم تكن مجرد حادث فردي، بل تعكس تحوّلاً نوعياً في طبيعة الانتهاكات، التي لم تعد تقتصر على الإهانة أو التخويف، بل تجاوزت ذلك لتطال حق الحياة ذاته.
في ضوء هذه المعطيات، يبرز تساؤل أساسي حول موقع الدولة من كل ما جرى، وحدود مسؤوليتها في ظل تصاعد هذا النمط من العنف. فالحكومة المؤقتة، التي أعلنت مراراً التزامها بضمان حقوق جميع الشعوب، تبدو أمام اختبار فعلي يقاس بقدرتها على فرض القانون ومحاسبة المتورطين، لا بالاكتفاء بالتصريحات السياسية.
غير أن المؤشرات الميدانية لا توحي بوجود تحرك جاد في هذا الاتجاه، إذ لم تُسجّل حتى الآن إجراءات واضحة لملاحقة المسؤولين عن هذه الحوادث، رغم انتشار تسجيلات مصورة توثق الوقائع وتُظهر ملامح المشاركين فيها بشكل صريح.
خوف، نزوح، وفقدان الثقة
لم تقتصر آثار هذه الانتهاكات على اللحظة الآنية، بل امتدت لتترك تداعيات عميقة على المجتمع الكردي. فبحسب تقديرات غير رسمية، شهدت الأيام التي تلت نوروز حركة نزوح محدودة من بعض القرى في ريف عفرين، خوفاً من تكرار الاعتداءات. كما تصاعدت مشاعر القلق وفقدان الثقة، ليس فقط تجاه الأجهزة الأمنية، بل أيضاً تجاه العملية السياسية برمتها، التي بدت، في نظر كثيرين، عاجزة عن ترجمة وعودها إلى واقع ملموس.
وفي ريف كوباني، سُجّلت أيضاً حوادث اعتداء على سيارات مدنيين كرد، في مؤشر على أن موجة التوتر لم تقتصر على عفرين، بل امتدت إلى مناطق أخرى، ما يعزز فرضية وجود نمط أوسع من الاستهداف.
مع تكرار هذه الحوادث، وتوسع رقعتها الجغرافية، تزداد المخاوف من انزلاق المنطقة نحو صراع طائفي مفتوح، خاصة في ظل وجود عوامل متعددة تغذي التوتر، من بينها الخطاب التحريضي، وغياب المحاسبة، وتداخل القوى العسكرية.
التحذيرات التي أطلقتها مصادر محلية وحقوقية تشير إلى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى نتائج كارثية، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضاً على النسيج الاجتماعي، الذي تعرّض خلال السنوات الماضية لاهتزازات عميقة.
ما جرى في نوروز 2026 لم يكن حدثاً عابراً، بل لحظة مفصلية كشفت عن خلل بنيوي في إدارة الملف الأمني، وعن فجوة خطيرة بين الخطاب والممارسة. وبينما تستمر الحكومة في التأكيد على التزامها بحماية حقوق جميع الشعوب، تبقى الوقائع على الأرض هي المعيار الحقيقي للحكم. وفي ظل غياب خطوات واضحة للمحاسبة، وتعزيز الأمن، ووقف خطاب الكراهية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت انتهاكات ما بعد نوروز مجرد انفلات مؤقت، أم أنها مؤشر على مسار أعمق قد يعيد إنتاج دوامات العنف التي لم تخرج منها البلاد بعد؟
عجز حكومي وتواطؤ صامت
في خضمّ هذه الوقائع المتلاحقة، يبرز دور الحكومة السورية المؤقتة بوصفه عاملاً حاسماً، ليس فقط من حيث المسؤولية النظرية، بل من حيث الأداء الفعلي على الأرض، والذي بدا في مجمله عاجزاً عن مواكبة حجم التحديات المتصاعدة. فالحكومة التي قدّمت نفسها منذ تشكيلها كسلطة جامعة لكل السوريين، وحاملة لمشروع “حماية الحقوق وضمان التعددية”، وجدت نفسها أمام اختبار ميداني حقيقي خلال أحداث ما بعد نوروز، لكنها لم تُظهر حتى الآن ما يوازي هذا الخطاب من إجراءات رادعة أو سياسات واضحة لضبط الانفلات. بل على العكس، بدت المؤسسات الأمنية في أكثر من موقع إما غائبة أو مترددة، وفي بعض الحالات متفرجة، الأمر الذي أفسح المجال أمام تصاعد الانتهاكات دون كلفة تُذكر على مرتكبيها.
هذا الأداء لا يمكن فصله عن غياب استراتيجية متكاملة لإدارة المناطق ذات الحساسية القومية، حيث لم تُفعّل آليات الحماية الاستباقية، ولم تُعتمد إجراءات طوارئ رغم التوقع المسبق بحساسية المناسبة وتداعياتها المحتملة. كما أن الصمت الرسمي، أو الاكتفاء ببيانات عامة لا تتضمن إدانة واضحة أو خطوات عملية، ساهم في تكريس انطباع واسع بأن ما يجري لا يحظى بالأولوية اللازمة ضمن أجندة الحكومة. وفي ظل توفر أدلة مصورة، وانتشار واسع للمعلومات حول هوية بعض المتورطين، فإن عدم تحريك ملفات قضائية جدية يضع علامات استفهام كبيرة حول مدى جدية الالتزام بمبدأ المحاسبة.
الأخطر من ذلك أن هذا الغياب لا ينعكس فقط على المستوى الأمني، بل يمتد ليضرب جوهر الثقة بين الدولة وشعوب المنطقة الأصيلة. فحين يشعر المواطن أن رموزه مستباحة، وأن أمنه الشخصي غير مضمون، وأن الجهات المفترض بها حمايته لا تتحرك، فإن ذلك يفتح الباب أمام تآكل الانتماء، ويغذّي مشاعر العزلة والخذلان. وفي سياق هشّ أصلاً، كهذا الذي تعيشه مناطق الشمال السوري، فإن استمرار هذا النهج قد لا يؤدي فقط إلى مزيد من التوتر، بل إلى إعادة إنتاج دوائر العنف بشكل أعمق وأكثر تعقيداً، ما يضع مستقبل الاستقرار برمّته أمام تحديات مفتوحة لا يمكن احتواؤها بسهولة.