إعداد/ سيدار رشيد
تتفاقم الأزمة الاقتصادية في الساحل السوري يوماً بعد آخر، لتثقل كاهل الأهالي الذين يواجهون ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار وتراجعاً حاداً في القدرة الشرائية، ومع محدودية فرص العمل وتآكل الرواتب، بات تأمين الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً يرهق العائلات، في ظل هذا الواقع، تتسع دائرة المعاناة لتشمل مختلف الشرائح، وسط غياب حلول ملموسة تنقذ الأهالي من دوامة الفقر وتدهور المعيشة.
تواجه مناطق الساحل السوري أزمة اقتصادية ومعيشية متفاقمة، حيث يعاني العديد من الأهالي من تدهور الأوضاع الاقتصادية وزيادة معدلات الفقر والبطالة، في وقت يعجز فيه كثيرون عن تأمين احتياجاتهم المعيشية اليومية، حيث يعاني نحو 90% من سكان هذه المناطق من صعوبات معيشية، ويواجهون تحديات جمة في الحصول على المواد الغذائية الأساسية والخدمات التي تزداد ندرتها في ظل تدهور الوضع الاقتصادي بشكل مستمر. ومن أبرز جوانب الأزمة الاقتصادية في الساحل السوري بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان:
ـ البطالة والقيود على إعادة الإعمار: تعد البطالة من أكبر المشكلات التي يعاني منها سكان الساحل السوري، فقد أدى فصل آلاف الموظفين من القطاع العام نتيجة لاعتبارات طائفية أو سياسية إلى رفع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق، وتعتبر هذه المشكلة أكثر إلحاحاً في المناطق التي كانت تعتبر من المراكز الاقتصادية الحيوية للنظام السابق، حيث كان العديد من المواطنين يعتمدون على الوظائف الحكومية كمصدر رئيسي للدخل، واليوم، ومع ارتفاع معدلات البطالة، لم يعد من الممكن العثور على فرص عمل مناسبة، ما يزيد من الأعباء المعيشية على الأسر.
وعلى الرغم من الحاجة الماسة إلى إعادة بناء المناطق المتضررة جراء الحرب، لا توجد جهود جادة وفعالة لإعادة الإعمار، فالعديد من المشاريع التنموية توقفت أو تأثرت بشكل كبير نتيجةً للسياسات الحكومية غير المدروسة، وهو ما ترك العديد من السكان في حالة من العجز والانتظار.
ـ ارتفاع الأسعار والقدرة الشرائية المنهارة: تدهور قيمة الليرة السورية بشكل متسارع ساهم في انهيار القدرة الشرائية للمواطنين، كما أن الرواتب التي يحصل عليها الموظفون لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسر، مثل الطعام، والدواء، والمواصلات، الأمر الذي دفع البعض للبحث عن مصادر رزق بديلة، مثل التجارة البسيطة أو العمل في الزراعة الموسمية، رغم قلة فرص العمل المتاحة.
ـ أزمة الوقود والكهرباء: وتعاني مناطق الساحل السوري من نقص مزمن في الوقود والكهرباء، حيث أصبحت الطاقة الكهربائية شحيحة، ما أثر بشكل بالغ على القطاعات الحيوية مثل النقل والزراعة، والمواطنون في الساحل يجدون أنفسهم في مواجهة مع واقع مرير، حيث أن نقص الوقود يعرقل حتى أبسط وسائل النقل، مما يزيد من الأعباء اليومية.
ـ تغير نمط المعيشة: مع تفشي البطالة، اضطرت العديد من الأسر إلى تعديل نمط حياتها وتوجيه اهتماماتها نحو الزراعة الموسمية كمصدر رزق بديل. بينما لا تزال المناطق الساحلية تعتمد بشكل كبير على القطاعات السياحية والاقتصاد المرتبط بها، فقد تأثرت تلك القطاعات بشكل مباشر بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، ما دفع السكان إلى البحث عن بدائل حتى لو كانت مؤقتة وغير كافية.
أسباب الأزمة
من الأسباب الأساسية للأزمة الاقتصادية هي السياسات الحكومية والاعتقالات التعسفية والممارسات التي تقوم بها الحكومة المؤقتة بحق أبناء الريف والطائفة العلوية خصوصاً، أثر على تحركهم وتفضيلهم البقاء أسرى قراهم واريافهم والابتعاد عن سوق العمل الأمر الذي ترجم إلى بطالة. حيث أدت السياسات الحكومية التي تم تبنيها مؤخراً إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في الساحل السوري، ففصل الموظفين بشكل جماعي كان له آثار سلبية على القطاع العام، مما أسهم في زيادة معدلات البطالة، كما ساهم الفساد المستشري في بعض الدوائر الحكومية في زيادة تعقيد الأزمة، حيث أُهدرت موارد الدولة في مشاريع غير مجدية في بعض الأحيان، مما حد من قدرة الحكومة على تحقيق أي تقدم ملموس في عملية إعادة الإعمار.
ديمومة تأثير العقوبات الدولية
وتسببت العقوبات التي فرضتها الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في تدهور الوضع الاقتصادي في سوريا عمومًا، فقد كانت هذه العقوبات تهدف إلى الضغط على النظام السوري السابق، لكن تبين أنها أثرت بشكل كبير على الشعب السوري، إذ زادت من صعوبة الحصول على بعض المواد الأساسية وأثرت بشكل مباشر على قدرة الحكومة على تنفيذ مشاريع التنمية.
إرث الحرب واستنزاف الموارد
ودمرت الحرب في سوريا البنية التحتية بشكل كبير، حيث تم توجيه الموارد الحكومية بشكل رئيسي لدعم العمليات العسكرية، على حساب مشاريع التنمية والإنشاء، وأثر هذا الاستنزاف المستمر للموارد بشكل كبير على إعادة الإعمار، حيث لم يتمكن النظام الجديد من تخصيص ميزانية كافية لتأهيل المناطق المدمرة أو توفير خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم.
الآمال المعقودة على الموانئ السورية
ورغم الآمال التي كانت معقودة على موانئ اللاذقية وطرطوس لدعم الاقتصاد السوري وتحقيق انتعاش اقتصادي من خلال التجارة البحرية، إلا أن الواقع الخدمي والاقتصادي المتهالك في هذه المناطق يعكس الحاجة إلى إصلاحات عاجلة وفعالة، حتى الآن، فإن هذه الموانئ لا تزال تواجه العديد من التحديات بما في ذلك نقص التمويل والمشاكل اللوجستية التي تعوق دورها الفاعل في دعم الاقتصاد الوطني.
الحاجة إلى إصلاحات جذرية
ويتطلب الوضع الحالي في الساحل السوري إصلاحات جذرية على جميع الأصعدة الاقتصادية والإدارية، فالظروف الاقتصادية الصعبة، بما في ذلك البطالة، وضعف القدرة الشرائية، ونقص الخدمات الأساسية، تتطلب تخطيطاً استراتيجياً بعيد المدى يعيد الثقة للمواطنين ويعمل على تحسين مستوى معيشتهم.
وفي ظلّ هذا المشهد القاتم، تبقى الأزمة الاقتصادية التي تعصف بأهالي الساحل السوري أكثر من مجرد أرقام أو مؤشرات، بل واقع يومي يثقل كاهل العائلات ويقوّض قدرتها على الصمود، وبين غلاء الأسعار وتراجع فرص العمل، يجد الأهالي أنفسهم أمام تحديات متزايدة تلامس تفاصيل حياتهم الأساسية، ورغم ذلك، لا يزال الأمل حاضراً في إرادة الأهالي وقدرتهم على التكيّف، بانتظار حلول حقيقية تخفف من وطأة المعاناة وتعيد شيئاً من الاستقرار إلى حياتهم.