عبد الرحمن ربوع
في الامتحان يُكرم المرء أو يهان، وفي نوروز هذا العام خاض السوريون واحدًا من أهم امتحاناتهم الوطنية. امتحان للسلطة التي قدمت المرسوم 13 مطلع العام الجاري، وامتحان للقوى السياسية والمؤثّرين، وامتحان للمجتمع المعني أولًا وأخيرًا بالمرسوم ومضمونه وغايته.
رغم الحضور الباهت للنوروز في الخطاب السياسي لمؤسسات السلطة والحكومة المؤقتة؛ إلا أنه جاء قفزة نوعية هائلة مقارنةً بما سبق. فبالنسبة للحكومة ولقطاعات عريضة كانت وما زالت معبأة ضد الكرد من أيام النظام البائد، وحتى بالنسبة للشريحة التي تمثلها الحكومة المؤقتة التي تتحاشى التصرف بطبيعية مع الكرد (أو غيرهم من الشعوب السورية المتعددة)؛ فالنتيجة مبهرة ومرت المناسبة بسلام وأمن نِسْبيَين.
أيضًا أثّر إطلاق سراح الأسرى المتبادل بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية، وتشكيل حواجز مشتركة، قبيل عيد النوروز، بشكل إيجابي في خلق بيئة تصالحية، وأجواء احتفالية سبقت نوروز، واستمرت خلاله. رغم بعض الخروقات الميدانية والاعتداءات الموثقة التي أثارت استنكارًا واسعًا من السوريين، ودفعت السلطات للتصرف بإيجابية تجاه بعضها فيما أغفلت بعضها الآخر!
تحديات ميدانية وسياسية
مع اتساع رقعة الاحتفالات بعيد النوروز وامتدادها من دمشق إلى حلب إلى الحسكة وتنوع مظاهر الاحتفالات من احتفال في دار الأوبرا في دمشق، إلى مسيرات المشاعل في عفرين وكوباني، إلى التجمعات الحاشدة سواء في ساحة الأمويين أو في ساحات المدن الكردية الكبرى (بعض هذه الاحتفالات تأجلت لأسباب مناخية مثل قامشلو وتربه سبيه والحسكة والدرباسية؛ بسبب غزارة الأمطار والبرودة الناجمة عن المنخفض الجوي الذي تمر به البلد).. مع كل هذه الاحتفالات والتجمعات الشعبية، ومع قلة المشكلات التي وقعت يمكن الحديث عن نجاحٍ نسبي واضح في امتحان النوروز شعبيًا. ولم تتمكن بعض المواقف الاستفزازية “القليلة” و”المتقطعة” و”الفردية” أن تقلل من نجاح السوريين في اختبار “السلم الأهلي” في نوروز.
ورغم كل حملات التحريض التي راجت على مواقع التواصل الافتراضي إلا أن الواقع على الأرض كان أكثر سلاسة وهدوءاً. كما أن الإعلام الرسمي الذي لم يتدخل في التحريض هذه المرة كان له أثر إيجابي في مرور المناسبة بسلام. كما أن تغطيته “الخجولة” للحدث كانت موضوعية وغير مستفزة كما سبق العهد به.
تأكيد المؤكد
من جديد أكد “نوروز” أن سوريا تحتاج لتحقيق التعايش بين شعوبها المتعددة ومكوناتها الاجتماعية والقومية والدينية إلى عقد اجتماعي جديد يرسخ المواطنة المتساوية، وإلى تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، وفصل مؤسسات الدولة عن الدين والقومية، ومكافحة خطاب الكراهية، وضمان توزيع عادل للموارد ومحاربة الفساد، ويتطلب ذلك بطبيعة الحال بناء ثقة مجتمعية، وتعزيز الحوار الوطني، وتطبيق القانون بشفافية لضمان حقوق الجميع، والاعتراف بالتنوع الثقافي.
شكراً نوروز
في الحقيقة، لقد نجح السوريون في أول اختبار للمرسوم 13 من خلال احتفال السوريين إلى جانب الشعب الكردي به في المناطق السورية المختلفة. وعلى الغالب سيكون نوروز 2027 أفضل بكثير شريطة السير بخطى ثابتة وصادقة وحثيثة على طريق دولة المواطنة والعدالة واحترام القانون، وأن تكون السلطة في “مقدمة المسير لا خلفه”. مع تحييد كل الأصوات الشاذة التي تنفث نيران حقدها الطائفي والعنصري نتيجة الحرب الخاصة سواء عبر وسائل الإعلام الرسمية أو وسائل التواصل أو عبر أي منبر. كما أن الإسراع في تطبيق العدالة الانتقالية سيجنب الجميع مخاطر الاحتراب الأهلي، وسيحصِّن البلد من الانزلاق في الفتنة الطائفية أو العنصرية، وسيغسل الصدور التي ران عليها سواد الإحساس بالظلم، وسيُشعرها بالسكينة لتفتح صفحة جديدة من الحياة مع الآخر على أسس الأمن والسلم والتعايش.