No Result
View All Result
لورنس الشعير
الإعلام أم تجارة الألم؟ تحقيق في اختزال المجتمعات إلى لقطات بؤس على منصات التواصل. في ظل تصاعد المحتوى الرقمي غير المنضبط، يكشف هذا التحقيق كيف تتحول معاناة الأفراد إلى مادة للانتشار، ويطرح تساؤلات حاسمة حول حدود المهنية الإعلامية، ومسؤولية الجهات المختصة في حماية الكرامة الإنسانية من الاستغلال.
الإعلام الرسمي… خط الدفاع الأول
في روج آفا، يُشكل الإعلام جزءاً من “إعلام المجتمع الحر”، وهو إعلام يلتزم بالمعايير المهنية وينقل صوت الشعوب المتعددة في المنطقة ضمن إطار من المسؤولية والاحترام. هذا الإعلام لا يبحث عن اللقطة الصادمة، بل عن الحقيقة الكاملة. لكن، في المقابل، يظهر من يقدّم نفسه كـ “إعلامي” على منصات التواصل الافتراضي، دون أي التزام مهني، مستفيداً من المعاناة لتحقيق الانتشار، هنا لا يتم نقل الواقع… بل تشويهه.
مَنْ يسرق صفة الإعلامي؟
ليست المشكلة في النشر، بل في الادّعاء. ليس كل من يحمل كاميرا إعلامياً. الإعلام هو التزام… لا ظهور. هناك من لا يبحث عن الحقيقة… بل عن أكثر لحظة ضعف يمكن تصويرها. هناك من لا يذهب إلى الناس ليسمعهم، بل ليجد فيهم مشهداً يصلح للانتشار. في زمن المنصات المفتوحة، لم تعد المعاناة مجرد واقع يُروى، بل أصبحت مادة تُنتج، وتُحرر، وتُعرض، وتُستهلك. طفل يُصوَّر دون أن يفهم لماذا، امرأة تُسأل أمام الكاميرا عما لا يُقال، عائلة تُختزل في لقطة… ثم تُترك داخلها. كل ذلك تحت اسم واحد: “إعلام”، لكن، أيُّ إعلام هذا الذي يبدأ بالكاميرا… وينتهي بالشهرة؟ وأين تقف الحقيقة حين تتحول الكرامة إلى تفصيل؟
الكاميرا التي تغيّر معنى الواقع
في إحدى القرى المتضررة من آثار الحرب في المنطقة، تقف كاميرا هاتف أمام منزل متواضع. تُلتقط صورة لطفل بملابس رثة، تُرفق بعبارة صادمة، وتُنشر خلال دقائق. خلال ساعات، تحصد آلاف المشاهدات.
لكن ما لم يُنشر:
ـ إن الأسرة نفسها تتلقى دعماً مجتمعياً
ـ إن السياق الاقتصادي الأوسع غائب
ـ إن الطفل لم يُسأل إن كان يرغب أن يصبح وجه الفقر.
بين حق الجمهور في المعرفة وحق الفرد في الكرامة، تتشكل منطقة رمادية تتسع يومياً في الفضاء الرقمي.
المعايير الدولية تقول كلمتها
تؤكد المواثيق الدولية أن الكرامة الإنسانية أصل لا يُنتقص. فقد نصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة على أن جميع البشر يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق.
مهنياً، تشدد مدونة أخلاقيات الاتحاد الدولي للصحفيين على ضرورة احترام خصوصية الأفراد، والامتناع عن استغلال ضعف الضحايا. كما تنص قاعدة “تقليل الضرر” في ميثاق جمعية الصحفيين المحترفين على أن الصحفي يجب أن يوازن بين النشر وبين الأثر المحتمل على الأفراد والمجتمعات. وتدعو منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى اعتماد تغطية حساسة للنزاعات، تمنع إعادة إنتاج الصور النمطية أو تكريس الوصم.
اقتصاد الانتباه
تشير دراسات معهد رويترز لدراسة الصحافة إلى أن المحتوى الذي يثير استجابات عاطفية قوية يحصل على انتشار أوسع عبر خوارزميات المنصات.
“المنصة لا تكافئ الدقة، بل التفاعل”. كلما كانت الصورة أكثر قسوة، ارتفعت قيمتها الرقمية. لكن؛ المسؤولية لا تسقط… حتى لو ارتفعت المشاهدات. وهنا يناهض الإعلام الحرّ “المجتمعي” في روج آفا هذا النمط من النشر، وإنما يسعى من خلال المواد الإعلامية إلى بناء مجتمع ديمقراطي ونشر القيم المجتمعية بين أفراده.
بين التوثيق والاستثمار
يوضح أحد خبراء أخلاقيات الصحافة: “الفرق بين التوثيق والاستثمار في الألم ليس في الكاميرا، بل في النية والمنهج”. في إعلام روج آفا توجد أزمات… نعم. لكن توجد أيضاً إنجازات وارتقاء بالمجتمع ومحاولات نهوض، وتكافل. اختزال الصورة في زاوية واحدة لا ينقل الواقع… بل يعيد تشكيله.
صوت المجتمع
“نحن لا ننكر الصعوبات، لكننا نرفض أن يُعرَّف مجتمعنا عبر أكثر لحظاته هشاشة”.
بهذه الكلمات يلخص أحد النشطاء المحليين الموقف. الحقيقة الكاملة لا تعني إنكار الألم، بل تعني عدم تسليعه.
صناعة المشهد
النمط واضح: البحث عن الحالة الأشد فقراً، تصوير سريع، غياب السياق، عنوان صادم.
مشهدٌ يُستهلك… لا واقع يُفهم
“ليس كل ما يحقق انتشاراً يستحق أن يُروى…ولا كل ما يُروى يحترم الإنسان”.
مسؤولية ومحاسبة
أي جهة تدعم أو تسهّل التغطيات الإعلامية تتحمل مسؤولية أخلاقية، وفق ما تدعو إليه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). كما أن وجود هيئات مهنية مثل اتحاد الإعلام الحر يفترض أن يضمن ضبط المعايير. لكن؛ المحاسبة الحقيقية تحتاج: وضوح القواعد، عدالة التطبيق، شفافية القرار.
نحو معيار مهني
الحد الأدنى من المسؤولية: لا نشر دون سياق، لا تصوير دون موافقة، لا اختزال للمجتمع، لا استعراض على حساب الإنسان، شفافية في العمل. المشهد يبقى هو ذاته، لكن من ينقل المشهد يتغير والغاية التي ينقل لأجلها تغير من رؤيته، والزاوية التي ينظر إليها الناقل، المسألة تكمن في الالتزام الأخلاقي والمبدأ، وهذا هو الفرق بين إعلام حر ملتزم، وإعلام يدّعي الحرية ويفتقر لأدنى معايير الالتزام الصحفي والأخلاقي.
ختاماً
في زمن تتحول فيه المشاهدة إلى عملة، تصبح الكرامة أول ما يُهدد. حين تُختزل المجتمعات في لقطات بؤس، فإن الحقيقة لا تُنقل… بل تُشوّه. الإعلام الذي لا يحمي الإنسان، لا يمكن أن يدّعي تمثيله. وفي النهاية، لن يُقاس ما ننتجه بعدد المشاهدات، بل بشيء واحد فقط: أن يبقى الإنسان… إنساناً داخل الصورة.
No Result
View All Result