No Result
View All Result
جوان عبدال
دعونا نطرح سؤالاً عَرَضياً: ما طبيعة الزمن في مكون العمل الأدبي؟ ما شكله وكيف يسير؟
هو في الأغلب والأعم فاعل مجهول أو هو غائب بعض الشيء، يُرى ولكنه غير ذي بال في صيرورة العمل الأدبي، فالزمن بمفهومه الطبيعي مهيض الجناح هنا، رغم أنه يطير ولكنه يراوح في مكانه، وأبعد خطوة له هو وقوفه سائراً، أو سائراً وقوفاً، سيرٌ لا يذكر إلا كنهر ممتلئ بالماء يمر بمستنقع تسبح فيه أسماك متلونة ضمن خَضار الأشنيات.
فالزمن هنا -في المكون الأدبي- غير الزمن في التعريف: فالزمن رغم سطوته مظهر وهمي غير مرئي يؤثر في الأشياء، هو محسوس بتراكمات مروره في الأحياء والكائنات، ويرى على التقدير بما يتجسد فيه، فيما يرى جلياً حولنا بما يتمثله على أقرب وجه.. مسيطراً على التصور وعلى الفكر.
يخصص لفظ الزمان عادة للتعبير عن الحالة أو الإدراك النفسي بمرور الأحداث، بحيث يشير (الوقت) إلى الحركة المادية، وفي تعريف الزمان قيل (هو مقدار للحركة إلا أنه ليس له وضع إذ لا توجد أجزاؤه معا وإن كان له اتصال، إذ ماضيه ومستقبله يتحدان بطرف هو الآن..
الزمان مقدار للحركة المستديرة من جهة المتقدم والمتأخر.. (ابن سينا). وفي أصل الزمان يقول (الزمان ليس محدثاً حدوثاً زمانياً، بل حدوث إبداع لا يتقدمه محدثه بالزمان والمدة، بل بالذات.. فالزمان مبدع أي يتقدمه باريه فقط).
حقيقة، في الأدب هذا العالم المليء بالشخصيات والأحداث والمواقف، يقف الزمن دون رقيب، تتفاعل الشخصيات وتتصارع كأنها تعيش، وهي تمارس حياتها ودورها المرسوم حسب قدرها من اقتناص لحظة أو موقف عابر، وهي مهيأة لصراع الأفكار والرؤى لصوغ منظومة قيمية للمجتمع الإنساني.. بزمن مكسور الإهاب، يقف وهو جارٍ، فيتجسد فنياً في الذاكرة، كدالة إلى مسمى شبيه بالأفعال وردة الأفعال، كعبرة أو كتجربة أو كواقعة.
ومفهوم الزمن في العمل الأدبي ليس بالضرورة أن يغطي حقبة مديدة جرت فيها أحداثها، فقط يهتم بفترات وجيزة يمتد معها الحدث المسرود، وهو يختار بعضها ليكوّن أثراً كاملاً، حين يسقط الزمن على نول الأدب فمن تقطعه وتجزئه وتحلله يبدو كأنه شريط ممتد، لذا يختصرُ الزمن فيه فيستغني عن الفائض من الجزئيات الحياتية، والفائض من المواقف والحركات والأشياء الأخرى التي لا تزخم النص السردي، يستغني عن ذلك عفوياً لأنه ليس من الفنية ذكر كل نأمة وحركة وقول، وذلك أيضاً لأن العمل الأدبي فني بالدرجة الأولى ويسعى إلى مقولة، وله هدف من سرده، فاعتماده على الزمن تحصيل حاصل، ولا يهمه تتابع سيره الطبيعي. فهو غير معني بالأقانيم الثلاثة المعروفة وهي: كيف حدث وأين ومتى.؟ بل هو معني بـ لِمَ وقع.؟ وماهية الدوافع؟ ثم ماهية النتيجة؟
“يعد الزمن نسيجاً تأتلف عليه الأحاسيس والرغبات والأفكار وهي حالات متصلة بتفاوت، أو إن ترتيب الزمن في الأدب والفن السردي من -قصة ورواية ومسرح- متواتر ومغاير للزمن الطبيعي، لأن انسياقه لا يوافق التتابع الموضوعي للوقت وليس ضرورياً سيره، إنما يسير وفق مجايل شروطه السردية مضغوطاً مختصراً مختزناً، لذا فهو يمتلك رحابة وامتدادا للقفز والتجزؤ، للغياب آناً وللحضور آناً أخرى إن شاء، وله كامل الحرية في طَرق اتجاهات زمنية غير محددة بما يخدم سرده، متقطعاً منقسماً يتخيله العقل فيجمع بين جزئياته السوية؛ لأنه ليس بصدد سرد وقائع وحوادث معينة، وتوثيق مرحلة، وليس قطعا كتابة تاريخ معاد، فقد يتناول فترة من زمن ماض وحاضر وبالتناوب قد يمتد أو يقصر حسب الفنية مع الزمن المسرود”.
ويمكن التعبير عن شيء كهذا.. بالقول “ثمة نوعين من الزمن: هناك زمن نسبي بالمعنى الحسابي الرياضي المادي لاحتياجات روتينية، وآخر بالمعنى الإنساني تتفاعل في الذهن الغيابي، أي بمعنى أضواء تبرق وتلمع في الوعي والذاكرة لحادثة، لواقعة، لفعل جرى، يُرى في النص بين السطور تأويلاً أو محاكاة لفعل مثله يقدره العقل حسب وجوبه”.
فمثلاً لو قلت: إن السير من هنا “من مكان تواجدي الآن” إلى مركز المدينة يقدر بنصف ساعة مشياً على الأقدام، وسبع دقائق راكباً سيارة، وتقدر مسافته بـكيلوي متر، فلو قرأت في نص كلمتين بأن البطل فيه “سار كيلوي متر”، لحدست بأن المسافة هذه قطعت أو استهلكت زمناً تقديره نصف ساعة.. إذن فإن التخييل الذهني قدّر محاكاة الزمن على وجوب الفعل..
فالزمن في العمل الأدبي حركة ساكنة في واقعها ولا يوازي حده الطبيعي، ولكن المتخيل يعطيه ذلك التسلسل والتتابع بحركة الأشياء ببعده الذهني والفكري، فهو يأخذ التسلسل الرياضي المعدود له صفة الانسياب حتى يدركه، فقد تتبع الزمن وتدركه ولكن لا تستطيع أن تراه واقعا، فتؤوّل الأمر من نفسك.. تراه ولكنك لا تستطيع أن تمسكه قياسا، فهو كالهواء تحسه أو كالماء لا طعم ولا رائحة ولا لون، أحيانا قليلة تراه ممطوطاً، وأكثر الأحيان تراه منتوف الريش لا يستطيع أن يطير، فيبقى مجزأ الحواف.. فالزمن في العمل الأدبي له صفة اسم، ولكنة ليس أكثر من الزمن الذي هو للقارئ بعض منه. فالأدب لا يعتمد على الزمن بل يعتمد على الوقائع والأحداث والأشخاص إلخ.
هو ساكن وثمة ديمومة تنبض في داخله، وخيط يجمع حبات المسبحة في سلسلتها، أي يدمج الماضي والحاضر في شيء آني أقرب للمستقبل، كي يستمر الترتيب أو التتابع، أي يعاد تكييفه فنياً مع ما يماثله الواقع الآن.. بحيث يتوافق القديم ويتوازى مع الجديد المعاد..
فان أي قراءة لعملٍ كتب منذ سنين عديدة، يمكن تتبع زمنه الماضي ـأكان قريباً أم بعيداً- الذي جرت فيه أحداثه، يستجمع أثناء القراءة زمنه الآن.. فقد يتلون ويتماهى حيناً بعد حين أمام الواقع لتصوره في سابقه.. يبدو جلياً على الحوادث والوقائع وتتابعها، ويظهر على قسمات الوجوه ومسيرة حياة الشخصيات، وتفاعلها يعني سير الزمن بالحدث وسيره بالمعطيات في المتخيل الافتراضي في عقل القارئ وذهنية المشهد، فهو زمن لا ماض له ولا حاضر ولا مستقبل، إنما هو متعلق بصيرورة صراع الشخصيات وفق إحداثيات وجودها الإنساني المكاني. تعرّف بالمتواليات يساوي مجموعه سرداً حكائياً مدعماً بالأفعال ورداتها وهي وحدة مجزأة، وهو فراغ له تجانس أو تجسيد في الذهن..
في الشعر لا يظهر له أثر يذكر فهو هلامي وليس في ضفتيه أي ماء، يسير بالسرد في تجريديات محكومة بالشعور والأحاسيس، أي أنه إيقاع مسموع دون صوت، وظل دون أثر يُرى، رغم انتقالاته الجمة بين الفعل وردة الفعل.
فالزمن الماضي الذي كُتب به نص السرد آني في وقته.. يحمل زمناً حاضراً متصلاً بزمن آت يكبر ككرة ثلج بتدحرجها، متعلق في اللا منظور الآني وقت قراءته.. مضمر في رشيمه. إذن.. هناك زمن يجري بالتتابع ولكنه يعبر خطاً وهمياً.. فهو هلامي الآفاق، كأنه الماء في مجرى النهر، وضفتاه أنا، الزفير والشهيق..
الزمن في القص والروي منفرج مفتوح على اتجاهات عدة.. يتماسك أحياناً تبعاً للسرد والموقف، ولكنه بالإجمال كشظايا متكسرات المرايا.. يجمع فيعطي بجزئياته صورة عن أحدوثة وواقعة لشيء جرى فعله واقعاً، أي هو ملازم للواقع وظواهره.. ففكرة الزمن الأدبي والمكان الآني للقارئ.. فكرة مؤداها إن الزمن والمكان متصلان، ويعبر عن ترتيب وضع الأحداث الماضية مع الآني بزمن واحد، كما ويدل على ترتيب وقت الأحداث المتعاقبة وديمومتها، وهذا يدل على الارتباط الوثيق بينهما أيضا، بعكس نظرية نيوتن التي تقول: بأن الزمن والمكان مطلقان، وإنهما حقيقتان منفصلتان.
التداعيات الذهنية والمشاعر والأحاسيس، لا تكتسب طبيعة زمنية، فالزمن ذا ماض أو دونه ذات صفة ساكنة، ولكن له ديمومة نستشعرها وخاصة في الماضي..
تتابع (الحركة وفعلها نفسي ذهني أكثر مما هو زمني/ ميقاتي) أي لا يأخذ بالتسلسل الحسابي للزمن، وإن امتد على طول فترة زمنية أو حقبة وقتية.. فحركة مجرى الوعي له صفة الانسياب والاستمرار، وهذه الميزة هي أساس ثابت ضمن تدفق حركة الزمن المستمر بوصفة ميقاتا.. أما صفة الديمومة فتتراكب على التغيير المتوالي، كما يقول “روبرت ب كابلان، ذكر ذلك يوسف اليوسف في قراءة له عن “الأرض اليباب” لـ إليوت.
الزمن الأدبي في القصة والرواية والمسرح فنياً، زمن نسبي يحدده سرده في الذهن بوساطة تجميع إحداثيات وثيمات حدثت أو هي قابلة للحدوث واقعاً، أما كيف يبدو؟ فإنه يتماهى حسب النموذج في النص، فهناك أنموذج القصة؛ ففيه يكون الزمن أكثف مما في الرواية، ففي القصة يبدو قصيراً وسريعاً من تكامل المعنى المعني بها أن تقدمه من الفعل والفاعل والمعنى كوحدة متكاملة، أما في الرواية فيكون أكثر وجوداً ورحابة وأكثر طولاً، ويكون وجوده في الوقت ذاته أكثر انفتاحا، ونراه مغايراً وأكثر تجربة وغنى، أي مكثف وقصير في مكان وممطوط وطويل في مكان آخر، حسب السرد الفني في أحداثها مرة وجزيئاتها مرة أخرى.
أما في المسرح، فإن كان محكوماً بالأقانيم الثلاثة التي قال بها أرسطو، فانه يُقسم الزمن إلى فصول ومشاهد بعضه يعقب بعضه، ورغم هذا يمارس سطوته ويفعل فعله، وإنما هو مقسم على الأغلب إلى وحدات مجزأة، ولكنها وحدة زمنية متماسكة خاصة بكل مشهد، أما الآن فقد اختلف النص المسرحي وأصبح يستغني عن الاقانيم هذه وبدا الوقت بالتجزيء المحكوم إلى مشاهد أو مناظر ليست بالضرورة أن تكون مترادفة متسلسلة.. وهذا الكلام جزئي على العموم وليس الحصر، فقد تجد نمازج مختلفة عن أخرى وعن المعتاد.. ولكن؛ القول يسري على الرواية أكثر من غيرها.
No Result
View All Result